بَاب فِي الْقَاضِي يُخْطِئُ
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، قال : نا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي : ابْنَ مُحَمَّدٍ قال : أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ : هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ ) : أَيْ أَرَادَ الْحُكْمَ ( فَأَصَابَ ) : أَيْ وَقَعَ اجْتِهَادُهُ مُوَافِقًا لِحُكْمِ اللَّهِ ( فَلَهُ أَجْرَانِ ) : أَيْ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ وَأَجْرُ الْإِصَابَةِ ، وَالْجُمْلَةُ جَزَاءُ الشَّرْطِ ( فَلَهُ أَجْرٌ ) : أَيْ وَاحِدٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا يُؤْجَرُ الْمُخْطِئُ عَلَى اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ عِبَادَةٌ ، وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ يُوضَعُ عَنْهُ الْإِثْمُ فَقَطْ ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ جَامِعًا لِآلَةِ الِاجْتِهَادِ عَارِفًا بِالْأُصُولِ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقِيَاسِ ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ فَهُوَ مُتَكَلِّفٌ وَلَا يُعْذَرُ بِالْخَطَأِ بَلْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ . وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْفُرُوعِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ دُونَ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الشَّرِيعَةِ وَأُمَّهَاتُ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوُجُوهَ ، وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلتَّأْوِيلِ ، فَإِنَّ مَنْ أَخْطَأَ فِيهَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي الْخَطَأِ ، وَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ مَرْدُودًا .
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِي . وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ شَرْحِ السُّنَّةِ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَتَقَلَّدَ الْقَضَاءَ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَوْلِيَتُهُ . قَالَ : وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ جَمَعَ خَمْسَةَ عُلُومٍ ، عِلْمُ كِتَابِ اللَّهِ ، وَعِلْمُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَاوِيلُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ ، وَعِلْمُ اللُّغَةِ ، وَعِلْمُ الْقِيَاسِ ، وَهُوَ طَرِيقُ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، إِذَا لَمْ يَجِدْهُ صَرِيحًا فِي نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ ، فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُفَسَّرَ ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ ، وَالْكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ ، وَالْإِبَاحَةَ وَالنَّدْبَ ، وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ ، وَيَعْرِفُ مِنْهَا الصَّحِيحَ وَالضَّعِيفَ ، وَالْمُسْنَدَ وَالْمُرْسَلَ ، وَيَعْرِفُ تَرْتِيبَ السُّنَّةِ عَلَى الْكِتَابِ وَبِالْعَكْسِ ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ حَدِيثًا لَا يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ الْكِتَابَ اهْتَدَى إِلَى وَجْهِ مَحْمَلِهِ ، فَإِنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ لِلْكِتَابِ فَلَا يُخَالِفُهُ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ مَا وَرَدَ مِنْهَا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنَ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَوَاعِظِ ، وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ عِلْمِ اللُّغَةِ مَا أَتَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أُمُورِ الْأَحْكَامِ دُونَ الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَيَعْرِفُ أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْأَحْكَامِ ، وَمُعْظَمَ فَتَاوَى فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ حَتَّى لَا يَقَعَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِأَقْوَالِهِمْ ، فَيَأْمَنُ فِيهِ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ ، فَإِذَا عَرَفَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ ، وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهَا فَسَبِيلُهُ التَّقْلِيدُ انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا .