بَاب فِي هَدَايَا الْعُمَّالِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ إسماعيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، قال : حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ : حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ عُمَيْرَةَ الْكِنْدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عُمِّلَ مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ ، فَهُوَ غُلٌّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَسْوَدُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ قَالَ : وَمَا ذَلكَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا وكذا ، قَالَ : وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَأْتِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى ( حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ عُمَيْرَةَ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( الْكِنْدِيُّ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ ( مَنْ عُمِّلَ ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا ( فَكَتَمَنَا مِنْهُ ) : أَيْ دَسَّ عَنَّا مِنْ حَاصِلِ عَمَلِهِ ( مِخْيَطًا ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ، أَيْ إِبْرَةً ( فَمَا فَوْقَهُ ) : أَيْ فِي الْقِلَّةِ أَوِ الْكَثْرَةِ أَوِ الصِّغَرِ أَوِ الْكِبَرِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي يُفِيدُ التَّرَقِّيَ أَيْ فَمَا فَوْقَ الْمِخْيَطِ فِي الْحَقَارَةِ ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ( فَهُوَ ) : أَيِ الْمِخْيَطُ وَمَا فَوْقَهُ ( غُلٌّ ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ ، أَيْ طَوْقٌ مِنْ حَدِيدٍ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي .
فَمَعْنَى غَلَّ أَيْ خَانَ ، يُقَالُ : غَلَّ الرَّجُلُ غُلُولًا خَانَ ، وَقِيلَ : هُوَ خَاصٌّ بِالْفَيْءِ ، أَيِ الْمَغْنَمِ ، فَالْمَعْنَى : أَنَّ مَنْ كَتَمَ مِنْ عَمَلِهِ بِقَدْرِ الْمِخْيَطِ ، فَقَدْ خَانَ . وَفِي الْمِشْكَاةِ : فَهُوَ غَالٌّ ، أَيِ الْعَامِلُ الْكَاتِمُ غَالٌّ ( فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ) : أَيْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْهَلَاكِ ( أَسْوَدٌ ) : صِفَةُ رَجُلٍ ( اقْبَلْ ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ( عَنِّي عَمَلَكَ ) : أَيْ أَقِلْنِي مِنْهُ ( قَالَ وَمَا ذَلِكَ ) : إِشَارَةً إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ أَيْ مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ( قَالَ سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا ) : أَيْ فِي الْوَعِيدِ عَلَى الْعَمَلِ ( وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ ) : أَيْ مَا سَبَقَ مِنَ الْقَوْلِ ( فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ ) : أي أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ ( وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى ) : أَيْ وَمَا مُنِعَ مِنْ أَخْذِهِ امْتَنَعَ عَنْهُ ، وهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ إِلَخْ : تَكْرِيرٌ لِلْمَعْنَى ، وَمَزِيدٌ لِلْبَيَانِ ، يَعْنِي : أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ وَلَا أَرْجِعُ عَنْهُ ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ فَلْيَعْمَلْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَتْرُكِ انْتَهَى .
قَالَ فِي النَّيْلِ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْهَدَايَا الَّتِي تُهْدَى لِلْقُضَاةِ ، وَنَحْوِهِمْ هِيَ مِنَ الرِّشْوَةِ ، لِأَنَّ الْمُهْدِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا لِلْإِهْدَاءِ إِلَى الْقَاضِي قَبْلَ وِلَايَتِهِ لَا يُهْدِي إِلَيْهِ إِلَّا لِغَرَضٍ ، وَهُوَ إِمَّا التَّقَوِّي بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ ، أَوِ التَّوَصُّلُ لهَدِيَّتِهِ لَهُ إِلَى حَقِّهِ وَالْكُلُّ حَرَامٌ . وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ النَّيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ كَلَامًا حَسَنًا . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
وَفِي الْمِشْكَاةِ : رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ .