بَاب فِي قَضَاءِ الْقَاضِي إِذَا أَخْطَأَ
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا ، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا دَعْوَاهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، فَبَكَى الرَّجُلَانِ ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : حَقِّي لَكَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا إِذا فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ، ثُمَّ اسْتَهَمَا ، ثُمَّ تَحَالَّا . ( أَبُو تَوْبَةَ ) : كُنْيَةُ الرَّبِيعِ ( فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا ) : جَمْعُ مَوْرُوثٍ أَيْ تَدَاعَيَا فِي أَمْتِعَةٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : هَذِهِ لِي وَرِثْتُهَا مِنْ مُوَرِّثِي ، وَقَالَ الْآخَرُ كَذَلِكَ . قَالَهُ الْقَارِي ( إِلَّا دَعْوَاهُمَا ) : إِلَّا هُنَا بِمَعْنَى غَيْرِ أَوِ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ ( فَذَكَرَ مِثْلَهُ ) : أَيْ مِثْلَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ ، وَلَفْظُ الْمِشْكَاةِ فَقَالَ : مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ .
( وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : حَقِّي لَكَ ) : وَفِي الْمِشْكَاةِ : فَقَالَ الرَّجُلَانِ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي ( فَاقْتَسِمَا ) : أَيْ نِصْفَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ ( وَتَوَخَّيَا ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيِ اطْلُبَا ( الْحَقَّ ) : أَيِ الْعَدْلَ فِي الْقِسْمَةِ ، وَاجْعَلَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ نِصْفَيْنِ ( ثُمَّ اسْتَهِمَا ) : أَيِ اقْتَرِعَا لِتَعْيِينِ الْحِصَّتَيْنِ إِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ بَيْنَكُمَا لِيَظْهَرَ أَيُّ الْقِسْمَيْنِ وَقَعَ فِي نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَلْيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَا تُخْرِجُهُ الْقُرْعَةُ مِنَ الْقِسْمَةِ ، قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : تَوَخَّيَا الْحَقَّ أَيِ اقْصِدَا الْحَقَّ فِيمَا تَصْنَعَانِهِ مِنَ الْقِسْمَةِ ، وَقَوْلُهُ : ثُمَّ اسْتَهِمَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ اقْتَرِعَا ، زَادَ فِي النِّهَايَةِ : يَعْنِي لِيَظْهَرَ سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا ، انْتَهَى . ( ثُمَّ تَحَالَّا ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ لِيَجْعَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ فِي حِلٍّ مِنْ قِبَلِهِ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ .
وَلَفْظُ الْمِشْكَاةِ ثُمَّ لِيُحْلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْمَعْلُومِ ، وَلِذَلِكَ أَمَرَهُمَا بِالتَّوَخِّي فِي مِقْدَارِ الْحَقِّ ، ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالتَّوَخِّي حَتَّى ضَمَّ إِلَيْهِ الْقُرْعَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّوَخِّيَ إِنَّمَا هُوَ أَكْثَرُ الرَّأْيِ وَغَالِبُ الظَّنِّ ، وَالْقُرْعَةُ نَوْعٌ مِنَ الْبَيِّنَةِ ، فَهِيَ أَقْوَى مِنَ التَّوَخِّي ، ثُمَّ أَمَرَهُمَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّحْلِيلِ لِيَكُونَ افْتِرَاقُهُمَا عَنْ تَعَيُّنِ بَرَاءَةٍ وَطِيبِ نَفْسٍ وَرِضًى ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْلِيلَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا كَانَ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ غَيْرَ مَجْهُولِ الْكَمِّيَّةِ . وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ ذِكْرَ الْقِسْمَةِ وَالتَّحْلِيلَ ، وَالْقِسْمَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْأَعْيَانِ ، وَالتَّحْلِيلُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِيمَا يَقَعُ فِي الذِّمَمِ دُونَ الْأَعْيَانِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُصْرَفَ مَعْنَى التَّحْلِيلِ إِلَى مَا كَانَ مِنْ خَرَاجٍ وَغَلَّةٍ حَصَلَتْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهِ الْقِسْمَةُ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : إِنَّ هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى لَا مِنْ بَابِ الْحُكُومَةِ وَالْفَتْوَى ، وَإِنَّ الْبَرَاءَةَ الْمَجْهُولَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَصِحُّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .