حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي قَضَاءِ الْقَاضِي إِذَا أَخْطَأَ

بَابٌ : فِي قَضَاءِ الْقَاضِي إِذَا أَخْطَأَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ ممَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شيئا فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ بَاب فِي قَضَاءِ الْقَاضِي إِذَا أَخْطَأَ ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) : قَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لِلْبَشَرِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بِالْمَزَايَا الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَالْحَصْرُ هُنَا مَجَازِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْعِلْمِ الْبَاطِنِ وَيُسَمَّى قَصْرَ قَلْبٍ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا فَإِنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَظْلُومُ ، انْتَهَى . ( وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ) : أَيْ تَرْفَعُونَ الْمُخَاصَمَةَ إِلَيَّ ( أَنْ يَكُونَ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : زِيدَ لَفْظَةُ أَنْ فِي خَبَرِ لَعَلَّ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَسَى ( أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ ) : أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنْ لَحِنَ بِمَعْنَى فَطِنَ وَوَزْنُهُ أَيْ أَفْطَنَ بِهَا . قَالَ فِي النَّيْلِ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَفْصَحَ تَعْبِيرًا عَنْهَا وَأَظْهَرَ احْتِجَاجًا حَتَّى يُخَيَّلُ أَنَّهُ مُحِقٌّ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُبْطِلٌ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَبْلَغُ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ؛ أَيْ أَحْسَنَ إِيرَادًا لِلْكَلَامِ ( مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ) : أَيْ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ ( فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ طَائِفَةً ؛ أَيْ إِنْ أَخَذَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ .

قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا ، وَأَنَّهُ مَتَى أَخْطَأَ فِي حُكْمِهِ فَقَضَى كَانَ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ ، فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ وَفِي حُكْمِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَاضٍ انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ : أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ الْبَاطِن وَلَا يُحِلُّ حَرَامًا فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحِلَّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا وَلَا أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْهُ ، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ بِكَذِبِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحِلُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْفُرُوجَ دُونَ الْأَمْوَالِ ، فَقَدْ يُحِلُّ نِكَاحَ الْمَذْكُورَةِ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَلْإِجْمَاعِ مِنْ قَبْلِهِ ، انْتَهَى .

وَقَالَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا الطَّلَاقَ وَشَهِدَ لَهَا شَاهِدَانِ بِهِ ، فَقَضَى الْحَاكِمُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا ، وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ فِيمَا بَيْنَها وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ وَجَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَنْكِحَهَا ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي السُّبُلِ : وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَحِلُّ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ إِذَا كَانَ مَا ادَّعَاهُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَمَا أَقَامَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ الْكَاذِبَةِ ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَالْإِلْزَامُ بِهِ ، وَتَخْلِيصُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِمَا حُكِمَ بِهِ لَوِ امْتَنَعَ وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ ظَاهِرًا ، وَلَكِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِهِ الْحَرَامَ إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي مُبْطِلًا وَشَهَادَتُهُ كَاذِبَةً . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إِنَّهُ يَنْفُذ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَإِنَّهُ لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ زُورٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ حَلَّتْ لَهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِآثَارٍ لَا يَقُومُ بِهَا دَلِيلٌ وَبِقِيَاسٍ لَا يَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَةِ النَّصِّ ، انْتَهَى .

قُلْتُ : وَلِذَلِكَ خَالَفَهُ أَصْحَابُهُ وَوَافَقُوا الْجُمْهُورَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث