بَاب فِي شَهَادَةِ الزُّورِ
حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ يَعْنِي الْعُصْفُرِيَّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ : عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ ثَلَاثَ مِرَات ٍ ، ثُمَّ قَرَأَ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ( عَنْ خُرَيْمِ ) بِضَمِّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ رَاءٍ وَسُكُونِ يَاءٍ ( ابْنِ فَاتِكٍ ) بِفَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ فَتَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ مَكْسُورَةٌ ( فَلَمَّا انْصَرَفَ ) أَيْ : عَنِ الصَّلَاةِ ( قَامَ قَائِمًا ) أَيْ : وَقَفَ حَالَ كَوْنِهِ قَائِمًا أَوْ قَامَ قِيَامًا . قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ أُقِيمَ مُقَامَ الْمَصْدَرِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ فِي الْعُدُولِ عَنِ الظَّاهِرِ لَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ ، فَإِذَا وُضِعَ الْمَصْدَرُ مَوْضِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ نُظِرَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى تَجَسَّمَ وَانْقَلَبَ ذَاتًا وَعَكْسَهُ فِي عَكْسِهِ ، وَكَأَنَّ قِيَامَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ ، كَقَوْلِهِمْ : نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ مَا قَامَ لَهُ وَتَجَلَّدَ وَتَشَمَّرَ بِسَبَبِهِ ( عُدِلَتْ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( شَهَادَةُ الزُّورِ ) أَيْ : شَهَادَةُ الْكَذِبِ ( بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ ) أَيْ : جُعِلَتْ الشَّهَادَةُ الْكَاذِبَةُ مُمَاثِلَةً لِلْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ فِي الْإِثْمِ ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَا يَجُوزُ ، وَشَهَادَةَ الزُّورِ كَذِبٌ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا لَا يَجُوزُ ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْوَاقِعِ ، قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا سَاوَى قَوْلُ الزُّورِ الشِّرْكَ لِأَنَّ الشِّرْكَ مِنْ بَابِ الزُّورِ ، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ زَاعِمٌ أَنَّ الْوَثَنَ يُحِقُّ الْعِبَادَةَ ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) أَيْ : قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ( ثُمَّ قَرَأَ ) أَيِ : اسْتِشْهَادًا ( مِنَ الْأَوْثَانِ ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيِ : النَّجَسُ الذي هُوَ الْأَصْنَامُ ( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) أَيْ : قَوْلَ الْكَذِبِ الشَّامِلَ لِشَهَادَةِ الزُّورِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ ، وَخُرَيْمُ بْنُ فَاتِكٍ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثَ وَهُوَ مَشْهُورٌ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ ، يَعْنِي : حَدِيثَ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ ، وَلَا نَعْرِفُ لِأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً ، وَأَنَّهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثَيْنِ اخْتُلِفَ فِي أَحَدِهِمَا ، وَرَجَّحَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدِيثَ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ كَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم . وَخُرَيْمٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَيَاءٌ آخِرَ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ وَمِيمٌ .
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .