بَاب الشَّهَادَةِ على الرَّضَاعِ
بَابُ الشَّهَادَةِ على الرَّضَاعِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَحَدَّثَنِيهِ صَاحِبٌ لِي عَنْهُ ، وَأَنَا لِحَدِيثِ صَاحِبِي أَحْفَظُ قَالَ : تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ ، فَدَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْنَا جَمِيعًا ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا لَكَاذِبَةٌ قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ ، وَقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ ؟ دَعْهَا عَنْكَ بَاب الشَّهَادَةِ على الرَّضَاعِ ( وَحَدَّثَنِيهِ ) عَطْفٌ عَلَى حَدَّثَنِي عُقْبَةُ ، وَقَائِلُهُمَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ( صَاحِبٌ لِي ) اسْمُهُ عُبَيْدٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ التَّالِيَةِ ( عَنْهُ ) أَيْ : عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَرَوَاهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ عُبَيْدٍ ( بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ( فَزَعَمَتْ ) أَيْ : قَالَتْ ( أَنَّهَا أَرْضَعَتْنَا جَمِيعًا ) يَعْنِي : نَفْسَهُ وَزَوْجَتَهُ ، أُمَّ يَحْيَى ( وَقَدْ قَالَتْ ) أَيْ : تِلْكَ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ( مَا قَالَتْ ) مِنْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا ( دَعْهَا ) أَيِ : اتْرُكْهَا . قَالَ فِي السُّبُلِ : وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْمُرْضِعَةِ وَحْدَهَا تُقْبَلُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُفَارَقَةُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إِلَّا امْرَأَتَانِ .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّضَاعَ كَغَيْرِهِ ، لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ ؛ لِأَنَّهَا تُقَرِّرُ فِعْلَهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُقْبَلُ الْمُرْضِعَةُ مَعَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُعَرِّضَ بِطَلَبِ أُجْرَةٍ ، قَالُوا : وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ ، سِيَّمَا وَقَدْ تَكَرَّرَ سُؤَالُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ : كَيْفَ ، وَقَدْ قِيلَ : وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ دَعْهَا ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ : لَا خَيْرَ لَكَ فِيهَا . وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ لَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُذْكَرِ الطَّلَاقُ ، فَيَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الشَّهَادَةِ الْمُعْتَبَرِ فِيهَا الْعَدَدُ ، وَقَدِ اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ فِي عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ، فَقُلْتُمْ : يَكْفِي بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَالْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ فِيهِ أَنَّهُ قَلَّمَا يَطَّلِعُ الرِّجَالُ عَلَى ذَلِكَ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى اعْتِبَارِهِ ، فَكَذَا هُنَا انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .