بَابُ ما جاء في السكرِ
هِجْرِيٍّ أَنَّ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ جَرَى الْكَلَامُ فِي مَسْأَلَةِ الزَّعْفَرَانِ بَيْنَ الْأَطِبَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ ، فَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ الزَّعْفَرَانَ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ وَإِنَّمَا فِيهِ تَفْتِيرٌ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ آرَاءُ الْأَطِبَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ حُكْمِ الْمَائِعَاتِ وَالْجَامِدَاتِ مُحَقَّقٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَحْنَافِ ، انْتَهَى . وَقَدْ أَطْنَبَ الْكَلَامَ فِي مَسْأَلَةِ الزَّعْفَرَانِ الْفَاضِلُ السَّيِّدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ دَلِيلُ الطَّالِبِ فَقَالَ : إِنْ ثَبَتَ السُّكْرُ فِي الزَّعْفَرَانِ فَهُوَ مُسْكِرٌ ، وَإِنْ ثَبَتَ التَّفْتِيرُ فَقَطْ فَهُوَ مُفَتِّرٌ ، انْتَهَى حَاصِلُهُ . قُلْتَ : ذَلِكَ الْفَاضِلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى تَرَدَّدَ فِي أَمْرِ الزَّعْفَرَانِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ لَهُ سُكْرٌ وَقِيلَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِنْ دَخَلَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا زَرْعُ الزَّعْفَرَانِ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ، بَلْ يَخِرُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْلٌ غَلَطٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَقَدْ كَذَّبَ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ وَغَلَّطَهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْكَشْمِيرِ وَكَانَ صَاحِبَ أَرْضٍ وَزَرْعٍ لِلزَّعْفَرَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
وَإِنْ شَاءَ رَبِّي سَأُفَصِّلُ الْكَلَامَ عَلَى الْوَجْهِ التَّمَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ أُسَمِّيهَا بِغَايَةِ الْبَيَانِ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَالِ الْعَنْبَرِ وَالزَّعْفَرَانِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . وَحَدِيثُ الْبَابِ قَالَ الْإِمَامُ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَالتِّرْمِذِيُّ يُصَحِّحُ حَدِيثَهُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي بَعْضِ فَتَاوَاهُ : هَذَا حَدِيثٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ سَكَتَ عَنْهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَسْكُتُ إِلَّا عَمَّا هُوَ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَصَرَّحَ بِمِثْلِ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِثْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ ، وَزَيْنِ الدِّينِ الْعِرَاقِيِّ ، وَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ .
وَإِذَا أَرَدْنَا الْكَشْفَ عَنْ حَقِيقَةِ رِجَالِ إِسْنَادِهِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ إِلَّا شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي شَأْنِهِ أَئِمَّةُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، فَوَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَهُمَا إِمَامَا الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مَا اجْتَمَعَا عَلَى تَوْثِيقِ رَجُلٍ إِلَّا وَكَانَ ثِقَةً ، وَلَا عَلَى تَضْعِيفِ رَجُلٍ إِلَّا وَكَانَ ضَعِيفًا ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِ حَدِيثِ شَهْرٍ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا وَالتِّرْمِذِيُّ يُصَحِّحُ حَدِيثَهُ كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ مُمَارَسَةٌ بِجَامِعِهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : قَالَ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ : سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثِ الشَّهْرِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَقَالَ : إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ ، انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ : إِنَّ شَهْرًا لَيْسَ مَتْرُوكًا ، بَلْ وَثَّقَهُ كَثِيرُونَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ ، فَمِمَّنْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَآخَرُونَ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَا أَحْسَنَ حَدِيثَهُ وَوَثَّقَهُ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ : هُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : هُوَ ثِقَةٌ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ غَيْرَ هَذَا ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا بَأْسَ بِهِ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - : شَهْرٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَقَوِيٌّ أَمْرُهُ ، وَقَالَ : إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ عَوْنٍ ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : شَهْرٌ ثِقَةٌ . وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ : شَهْرٌ رَوَى عَنْهُ النَّاسُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَلَمْ يُوقَفْ مِنْهُ عَلَى كَذِبٍ ، وَكَانَ رَجُلًا يَنْسَكُ أَيْ : يَتَعَبَّدُ إِلَّا أَنَّهُ رَوَى أَحَادِيثَ وَلَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ ، فَهَذَا كَلَامُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ جَرْحِهِ أَنَّهُ أَخَذَ خَرِيطَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَقَدْ حَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى مَحَلٍّ صَحِيحٍ .
وَقَوْلُ أَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ : إِنَّهُ سَرَقَ مِنْ رَفِيقِهِ فِي الْحَجِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ، بَلْ أَنْكَرُوهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ ، وَعَنْهُ قَتَادَةُ وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامٍ وَجَمَاعَةٌ . قَالَ أَحْمَدُ : رَوَى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَحَادِيثَ حِسَانًا ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ ثِقَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ هُوَ بِدُونِ أَبِي الزُّبَيْرِ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا بَأْسَ بِهِ .
وَرَوَى النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : إِنَّ شَهْرًا تَرَكُوهُ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَقَالَ الدُّولَابِيُّ : شَهْرٌ لَا يُشْبِهُ حَدِيثُهُ حَدِيثَ النَّاسِ .
وَقَالَ الْفَلَّاسُ : كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا يُحَدِّثُ عَنْ شَهْرٍ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْهُ ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : إِنَّ شُعْبَةَ قَدْ تَرَكَ شَهْرًا . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَايِنِيُّ : سَأَلْتُ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ فَقَالَ : صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ شَهْرٍ . وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ الْبُخَارِيُّ : شَهْرٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَقَوِيٌّ أَمْرُهُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ : ثِقَةٌ شَامِيٌّ . وَرَوَى عَبَّاسٌ عَنْ يَحْيَى ثَبْتٌ . وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : شَهْرٌ ثِقَةٌ طَعَنَ فِيهِ بَعْضُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : شَهْرٌ مِمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ جَمَاعَةٌ ، فَقَالَ حَرْبٌ الْكِرْمَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ مَا أَحْسَنَ حَدِيثَهُ وَوَثَّقَهُ وَهُوَ حِمْصِيٌّ . وَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ .
وَقَالَ النِّسْوِيُّ : شَهْرٌ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ عَوْنٍ فَهُوَ ثِقَةٌ . وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ : قَدِمَ عَلَى الْحِجَازِ فَحَدَّثَ بِالْعِرَاقِ وَلَمْ يُوقَفْ مِنْهُ عَلَى كَذِبٍ ، وَكَانَ رَجُلًا مُنْسِكًا ، وَتَفَرَّدَ ثَابِتٌ عَنْهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الذَّهَبِيِّ مُلَخَّصًا . ثُمَّ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ بِالْأَشْيَاءِ الْمُسْكِرَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ لَمْ يُرَخِّصْهَا الشَّارِعُ ، بَلْ نَهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ .
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً : عَاصِرَهَا ، وَمُعْتَصِرَهَا ، وَشَارِبَهَا ، وَحَامِلَهَا ، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ ، وَسَاقِيهَا ، وَبَائِعَهَا ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا ، وَالْمُشْتَرِيَ لَهَا ، وَالْمُشْتَرَاةَ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَبَائِعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ : وَآكِلَ ثَمَنِهَا .
فَإِنْ كَانَ فِي الْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعُودِ سُكْرٌ لَزَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ اسْتِعْمَالِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا بِجَمِيعِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا كَمَا فَعَلَ بِالْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَطُّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ اسْتِعْمَالِ الزَّعْفَرَانِ وَالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ وَالْعُودِ لِأَجْلِ سُكْرِهَا ، بَلْ كَانَ وُجُودُهَا زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَعْمَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الصَّحَابَةُ فِي حَضْرَتِهِ وَكَذَا بَعْدَهُ . أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْبُغُ . وَأَخْرَجَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْمِشْقِ وَالْمَصْبُوغَ بِالزَّعْفَرَانِ .
وَفِي الْمُوَطَّأِ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِعَائِشَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ : فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالَتْ : فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : خُذُوا هَذَا الثَّوْبَ لِثَوْبٍ عَلَيْهِ قَدْ أَصَابَهُ مِشْقٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ فَاغْسِلُوهُ ، ثُمَّ كَفِّنُونِي فِيهِ مَعَ ثَوْبَيْنِ آخَرَيْنِ الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : وَفِي أَنَّ النَّهْيَ لِلَوْنِهِ أَوْ لِرَائِحَتِهِ تَرَدُّدٌ لِأَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ ، وَفِعْلُهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، أَوِ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى تَزَعْفُرِ الْجَسَدِ لَا الثَّوْبِ ، أَوْ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِأَنَّهُ مِنَ الطِّيبِ وَقَدْ نُهِيَ الْمُحْرِمُ عَنْهُ ، انْتَهَى .
وَفِي الْمِرْقَاةِ أَيْ : نَهَى أَنْ يُسْتَعْمَلَ الزَّعْفَرَانُ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ لِأَنَّهُ عَادَةُ النِّسَاءِ ، انْتَهَى وَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ . وَفِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِالْمُزَعْفَرِ لِغَيْرِ الْإِحْرَامِ وَكُنْتُ أَلْبَسُهُ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ الْهَاشِمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَطَيَّبُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ بِذِكَارَةِ الطِّيبِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اتَّخَذَتْ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَحَشَتْهُ مِسْكًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .