بَاب فِي شَرَابِ الْعَسَلِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ ، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْخَبَرِ ، وَكَانَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَتْ سَوْدَةُ : بَلْ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ قَالَ : بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا سَقَتْنِي حَفْصَةُ فَقُلْتُ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ، نَبْتٌ مِنْ نَبْتِ النَّحْلِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْمَغَافِيرُ : مُقْلَةٌ وَهِيَ صَمْغَةٌ ، وَجَرَسَتْ : رَعَتْ ، وَالْعُرْفُطُ : نَبْتٌ مِنْ نَبْتِ النَّحْلِ . ( يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ ) بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ قَصْرُهُ ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ لِلثَّعَالِبِيِّ : إِنَّ حَلْوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي كَانَ يُحِبُّهَا هِيَ الْمَجِيعُ بِالْجِيمِ بِوَزْنِ عَظِيمٍ ؛ وَهُوَ تَمْرٌ يُعْجَنُ بِلَبَنٍ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا وَإِلَّا فَلَفْظُ الْحَلْوَى يَعُمُّ كُلَّ مَا فِيهِ حُلْوٌ ؛ كَذَا قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِالْحَلْوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ شَيْءٍ حُلْوٍ ، وَذَكَرَ الْعَسَلَ بَعْدَهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى شَرَفِهِ وَمَزِيَّتِهِ وَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ . ( جَرَسَتْ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ؛ أَيْ رَعَتْ ، وَلَا يُقَالُ جَرَسَ بِمَعْنَى رَعَى إِلَّا لِلنَّحْلِ . ( نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ مهملة سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ ؛ هُوَ الشَّجَرُ الَّذِي صَمْغُهُ الْمَغَافِيرُ ( نَبْتٌ مِنْ نَبْتِ النَّحْلِ ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْعُرْفُطِ مِنَ الْمُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ أَيِ : الْعُرْفُطُ نَبْتٌ مِنَ النَّبْتِ الَّذِي تَرْعِيهِ النَّحْلُ .
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : هُوَ نَبَاتٌ مُرٌّ لَهُ وَرَقَةٌ عَرِيضَةٌ تُفْرَشُ بِالْأَرْضِ وَلَهُ شَوْكَةٌ وَثَمَرَةٌ بَيْضَاءُ كَالْقُطْنِ ، مِثْلُ زِرِّ الْقَمِيصِ وَهُوَ خَبِيثُ الرَّائِحَةِ ، وَالْحَدِيثُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ مُخْتَصَرًا ، وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقِيلَ لِي : أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ فَسَقَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ شَرْبَةً . فَقُلْتُ : أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ ، وَقُلْتُ : إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ ، فَقُولِي لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ : لَا . فَقُولِي : مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ : سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ .
فَقُولِي لَهُ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . وَسَأَقُولُ ذَلِكَ ، وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَلِكَ . فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَتْ : فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ ؟ قَالَ : سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ . قَالَتْ : جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ .
قَالَتْ : تَقُولُ سَوْدَةُ : سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ ، قُلْتُ لَهَا : اسْكُتِي . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْمَغَافِيرُ ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ إِلَى آخِرِهَا وُجِدَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، ( مُقْلَةٌ ) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِالتَّاءِ فِي آخِرِ اللَّفْظِ وَالظَّاهِرُ بِحَذْفِ التَّاءِ ؛ لِأَنَّ الْمُقْلَةَ عَلَى وَزْنِ غُرْفَةٍ ، مَعْنَاهُ شَحْمَةُ الْعَيْنِ الَّتِي تَجْمَعُ سَوَادَهَا وَبَيَاضَهَا ، يُقَالُ : مَقَلْتُهُ نَظَرْته إِلَيْهِ . وَأَمَّا الْمُقْلُ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَبِحَذْفِ التَّاءِ بَعْدَ اللَّامِ - فَهُوَ الظَّاهِرُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ .
قَالَ شُرَّاحُ الْمُوجَزِ : مُقْلٌ هُوَ صَمْغُ شَجَرَةٍ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ خُصُوصًا بِعُمَانَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا .