بَاب فِي الْأَكْلِ مُتَّكِئًا
بَابُ فِي الْأَكْلِ مُتَّكِئًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قال : نا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ : قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا آكُلُ مُتَّكِئًا بَاب في الْأَكْلِ مُتَّكِئًا ( قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا آكُلُ مُتَّكِئًا ) قَالَ الْحَافِظُ : اخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ ، فَقِيلَ : أَنْ يَتَمَكَّنُ فِي الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ ، وَقِيلَ : أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ ، وَقِيلَ : أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنَ الْأَرْضِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَحْسَبُ الْعَامَّةُ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْآكِلُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ ، قَالَ : وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنِّي لَا أَقْعُدُ مُتَّكِئًا عَلَى الْوِطَاءِ عِنْدَ الْأَكْلِ فِعْلَ مَنْ يَسْتَكْثِرُ مِنَ الطَّعَامِ فَإِنِّي لَا آكُلُ إِلَّا الْبُلْغَةَ مِنَ الزَّادِ ، فَلِذَلِكَ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ تَمْرًا وَهُوَ مُقْعٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ ، وَالْمُرَادُ الْجُلُوسُ عَلَى وَرِكَيْهِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ زَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ ، قَالَ مَالِكٌ : هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاتِّكَاءِ ، قُلْتُ : وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنْ مَالِكٍ إِلَى كَرَاهَةِ كُلِّ مَا يُعَدُّ الْآكِلُ فِيهِ مُتَّكِئًا وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا ، وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِ الِاتِّكَاءِ بِأَنَّهُ الْمَيْلُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِإِنْكَارِ الْخَطَّابِيِّ ذَلِكَ ، وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ مَنْ فَسَّرَ الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ بِأَنَّهُ لَا يَنْحَدِرُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلًا وَلَا يُسِيغُهُ هَنِيئًا ، وَرُبَّمَا تَأَذَّى بِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى فَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَظُهُورُ قَدَمَيْهِ ، أَوْ يَنْصِبُ الرِّجْلَ الْيُمْنَى وَيَجْلِسُ عَلَى الْيُسْرَى ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : نُقِلَ فِي الشِّفَاءِ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهُ بِالتَّمَكُّنِ لِلْأَكْلِ وَالْقُعُودِ فِي الْجُلُوسِ كَالْمُتَرَبِّعِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ تَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْأَكْلِ وَتَقْتَضِي الْكِبْرَ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : يَحْسَبُ أَكْثَرُ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْمَائِلُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْبَدَنِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْأَكْلَ مَائِلًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ لَا يَسْهُلُ نُزُولُهُ إِلَى مَعِدَتِهِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْمُتَّكِئُ هَاهُنَا هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ ، وَكُلُّ مَنِ اسْتَوَى عَلَى وِطَاءٍ فَهُوَ مُتَّكِئٌ ، وَالِاتِّكَاءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوِكَاءِ وَوَزْنُهُ الِافْتِعَالُ ، فَالْمُتَّكِئُ هُوَ الَّذِي أَوْكَأَ مَقْعَدَتَهُ وَشَدَّهَا بِالْقُعُودِ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ .
وَالْمَعْنَى أَنِّي إِذَا أَكَلْتُ لَمْ أَقْعُدْ مُتَّكِئًا مِنَ الْأَرْضِ عَلَى الْأَوْطِيَةِ وَالْوَسَائِدِ فِعْلَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَيَتَوَسَّعَ فِي الْأَلْوَانِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ .