بَاب الرَّجُلِ يَتَدَاوَى
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾أول كِتَابُ الطِّبِّ . بَابٌ : الرَّجُلِ يَتَدَاوَى ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ١ . الحمد لله رب العالمين ﴾، والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على رسوله وخير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين ، وبعد ؛ فيقول العبد الضعيف أبو الطيب محمد الشهير بشمس الحق العظيم آبادي عفا الله عنه وعن آبائه ومشايخه : هذا الجزء الرابع من عون المعبود شرح سنن أبي داود .
اللهم تقبل مني وأعني على إتمامه ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، وقني شر نفسي ، واعزم لي على أرشد أمري ، واحفظني عن الرياء والسمعة والغفلة وزلة القلم . آمين .
قال المؤلف الإمام : أَوَّلُ كِتَابِ الطِّبِّ : بِتَثْلِيثِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ، وَهُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ أَحْوَالُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَنَقَلَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الطِّبَّ بِالْكَسْرِ يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ لِلْمُدَاوِي وَلِلتَّدَاوِي وَلِلدَّاءِ أَيْضًا ، فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِلرِّفْقِ وَالسِّحْرِ ، وَيُقَالُ لِلشَّهْوَةِ وَلِطَرَائِقَ تُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ ، وَلِلْحِذْقِ بِالشَّيْءِ وَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَخُصَّ بِهِ الْمُعَالِجُ عُرْفًا وَالْجَمْعُ فِي الْقِلَّةِ أَطِبَّةٌ وَفِي الْكَثْرَةِ أَطِبَّاءُ . وَالطِّبُّ نَوْعَانِ : طِبُّ جَسَدٍ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَطِبُّ قَلْبٍ وَمُعَالَجَتُهُ خَاصَّةٌ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ - عَنْ - رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَأَمَّا طِبُّ الْجَسَدِ فَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي الْمَنْقُولِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ وَغَالِبُهُ رَاجِعٌ إِلَى التَّجْرِبَةِ .
باب الرجل يتداوى حدثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمْ الطَّيْرُ ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَهُنَا ، وَهَهُنَا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى ؟ فَقَالَ : تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ تعالى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ ( وَأَصْحَابُهُ ) الْوَاوُ لِلْحَالِ ( كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَصَفَهُمْ بِالسُّكُونِ وَالْوَقَارِ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ طَيْشٌ وَلَا خِفَّةٌ ؛ لِأَنَّ الطَّيْرَ لَا تَكَادُ تَقَعَ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ سَاكِنٍ ( أَنَتَدَاوَى ) أَيْ : أَنَتْرُكُ تَرْكَ الْمُعَالَجَةِ ، فَنَطْلُبُ الدَّوَاءَ إِذَا عَرَضَ الدَّاءُ ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَى خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ قَالَهُ الْقَارِي ( فَقَالَ ) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( تَدَاوَوْا ) . قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ وَالرُّخْصَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهُ الْمَقَامُ ، فَإِنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنِ الْإِبَاحَةِ قَطْعًا ، فَالْمُتَبَادِرُ فِي جَوَابِهِ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْإِبَاحَةِ ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ؛ فَقَدْ وَرَدَ مَدْحُ مَنْ تَرَكَ الدَّوَاءَ وَالِاسْتِرْقَاءَ تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ . نَعَمْ قَدْ تَدَاوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا لِلْجَوَازِ ، فَمَنْ نَوَى مُوَافَقَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ ( لَمْ يَضَعْ ) أَيْ : لَمْ يَخْلُقْ ( دَاءً ) أَيْ : مَرَضًا ، وَجَمْعُهُ أَدْوَاءٌ ( إِلَّا وَضَعَ لَهُ ) أَيْ : خَلَقَ لَهُ ( الْهَرَمِ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ وَهُوَ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ دَاءٍ ، وَقِيلَ : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ : هُوَ الْهَرَمُ أَوْ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ : أَعْنِي وَالْمُرَادُ بِهِ الْكِبَرُ .
قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الطِّبِّ وَالْعِلَاجِ ، وَأَنَّ التَّدَاوِيَ مُبَاحٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْهَرَمَ دَاءً ، وَإِنَّمَا هُوَ ضَعْفُ الْكِبَرِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَدْوَاءِ الَّتِي هِيَ أَسَقَامٌ عَارِضَةٌ لِلْأَبْدَانِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَتَغَيُّرِ الْأَمْزِجَةِ ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِالدَّاءِ ؛ لِأَنَّهُ جَالِبُ التَّلَفِ كَالْأَدْوَاءِ الَّتِي قَدْ يَتَعَقَّبُهَا الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ . انْتَهَى .
قَالَ الْعَيْنِيُّ : فِيهِ إِبَاحَةُ التَّدَاوِي وَجَوَازُ الطِّبِّ ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا إِذَا رَضِيَ بِجَمِيعِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُدَاوَاتُهُ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .