حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي الْأَدْوِيَةِ الْمَكْرُوهَةِ

حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ أَوْ سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَنَهَاهُ فَقَالَ لَهُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهَا دَوَاءٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَلَكِنَّهَا دَاءٌ ( ذَكَرَ ) أَيْ : وَائِلٌ ( سَأَلَ ) أَيْ : طَارِقٌ ( قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا وَلَكِنَّهَا دَاءٌ ) فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ ، فَيَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا ، كَمَا يَحْرُمُ شُرْبُهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ : لَكِنَّهَا دَاءٌ إِنَّمَا سَمَّاهَا دَاءً لِمَا فِي شُرْبِهَا مِنَ الْإِثْمِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الدَّاءِ فِي الْآفَاتِ وَالْعُيُوبِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ ، وَإِذَا تَبَايَعُوا الْحَيَوَانَ قَالُوا : بَرِئَتْ مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، يُرِيدُونَ الْعَيْبَ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَنِي سَاعِدَةَ : مَنْ سَيِّدُكُمْ ؟ قَالُوا : جَدُّ ابْنُ قَيْسٍ ، وَإِنَّا لَنَزُنَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْبُخْلِ ( أَيْ نَتَّهِمَهُ بِالْبُخْلِ ) فَقَالَ : وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟ ! وَالْبُخْلُ إِنَّمَا هُوَ طَبْعٌ أَوْ خُلُقٌ ، وَقَدْ سَمَّاهُ دَاءً .

وَقَالَ : دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ : الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ . فَنَرَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَمْرِ : إِنَّهَا دَاءٌ ؛ أَيْ : لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِثْمِ ، فَنَقَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَحَوَّلَهَا عَنْ بَابِ الطَّبِيعَةِ إِلَى بَابِ الشَّرِيعَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ دَوَاءٌ فِي بَعْضِ الْأَسْقَامِ ، وَفِيهَا مَصَحَّةُ الْبَدَنِ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الرَّقُوبِ فَقَالَ : هُوَ الَّذِي لَمْ يَمُتْ لَهُ وَلَدٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّقُوبَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الَّذِي لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ ، وَكَقَوْلِهِ : مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الرِّجَالَ . فَقَالَ : بَلْ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ، وَكَقَوْلِهِ : مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ ؟ فَقَالُوا : هُوَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، فَقَالَ : بَلِ الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا ، وَشَتَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَهُمْ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَيُلْقَى عَلَيْهِ ، فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ ، وَكُلُّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى ضَرْبِ الْمَثَلِ وَتَحْوِيلِهِ عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى مَعْنَى أَمْرِ الْآخِرَةِ ، فَكَذَلِكَ سُمِّيَتِ الْخَمْرُ دَاءً إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الدِّينِ وَحُرْمَةِ الشَّرِيعَةِ ؛ لِمَا يَلْحَقُ شَارِبَهَا مِنَ الْإِثْمِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاءً فِي الْبَدَنِ وَلَا سَقَمًا فِي الْجَسَدِ .

وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَدْ أَبَاحَ التَّدَاوِيِ بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بَعْضُهُمْ ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِإِبَاحَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للِعُرَيْنَةَ التَّدَاوِي بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ ، إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهَا فِي بَعْضِ الْعِلَلِ رَخَّصَ لَهُمْ فِي تَنَاوُلِهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الَّلذَيْنِ جَمَعَهُمَا هَذَا الْقَائِلُ ، فَنَصَّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْحَظْرِ وَعَلَى الْآخَرِ بِالْإِبَاحَةِ ، وَهُوَ بَوْلُ الْإِبِلِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَهُ النَّصُّ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا وَيَشْفُونَ بِهَا ، وَيَتَّبِعُونَ لَذَّتهَا ، فَلَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ صَعُبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهَا وَالنُّزُوعُ عَنْهَا ، فَغُلِّظَ الْأَمْرُ فِيهَا بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَى مُتَنَاوِلِهَا ، لِيَرْتَدِعُوا ، وَلِيَكُفُّوا عَنْ شُرْبِهَا . وَحُسِمَ الْبَابُ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا شُرْبًا وَتَدَاوِيًا ؛ لِئَلَّا يَسْتَبِيحُوهَا بِعِلَّةِ التَّسَاقُمِ وَالتَّمَارُضِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْمُونٌ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ ؛ لِانْحِسَامِ الدَّوَاعِي ، وَلِمَا عَلَى الطِّبَاعِ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي تَنَاوُلِهَا ، وَلِمَا فِي النُّفُوسِ مِنِ اسْتِقْذَارِهَا وَالنُّكْرَةِ لَهَا ، فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَا يَصِحُّ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ ، وَاللَّهُ أَعْلَم ، انْتَهَى .

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ قَالَ : عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث