بَاب فِي الْعِلَاقِ
بَابٌ فِي الْعُلَاقِ : بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَقِيلَ : بِفَتْحِهَا ، وَقِيلَ : بِكَسْرِهَا ، وَالْكُلُّ بِمَعْنَى الْعَصْرِ ، قَالَهُ الْقَارِي . حدثنا مُسَدَّدُ ، وَحَامِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا : نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ قَالَتْ : دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لِي قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَقَالَ : عَلَامَ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ ، عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ يُسْعَطُ مِنْ الْعُذْرَةِ ، وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : يَعْنِي بِالْعُودِ : الْقُسْطَ ( قَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ ) مِنَ الْإِعْلَاقِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ مُعَالَجَةُ عُذْرَةِ الصَّبِيِّ وَرَفْعُهَا بِالْأُصْبُعِ ؛ أَيْ : قَدْ عَالَجَتْهُ بِرَفْعِ الْحَنَكِ بِأُصْبُعِهَا ، قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . وَفِي النِّهَايَةِ : الْإِعْلَاقُ مُعَالَجَةُ عُذْرَةِ الصَّبِيِّ وَهُوَ وَجَعٌ فِي حَلْقِهِ وَوَرَمٌ تَدْفَعُهُ أُمُّهُ بِأُصْبُعِهَا أَوْ غَيْرِهَا ، وَحَقِيقَةُ أَعْلَقْتُ عَنْهُ أزلْتُ الْعُلُوقَ عَنْهُ ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ .
انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا يَقُولُون الْمُحَدِّثُونَ : أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَعْلَقْتُ عَنْهُ ، وَالْإِعْلَاقُ : أَنْ يَرْفَعَ الْعُذْرَةَ بِالْيَدِ ، وَالْعُذْرَةُ وَجَعٌ يَهِيجُ فِي الْحَلْقِ ، وَمَعْنَى أَعْلَقْتُ عَنْهُ : دَفَعْتُ عَنْهُ الْعُذْرَةَ بِالْأُصْبُعِ وَنَحْوِهَا ( مِنَ الْعُذْرَةِ ) أَيْ : مِنْ أَجْلِهَا . قَالَ الْعَيْنِيُّ : الْعُذْرَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ ، وَهُوَ وَجَعُ الْحَلْقِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى سُقُوطُ اللَّهَاةِ - بِفَتْحِ اللَّامِ - وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي أَقْصَى الْحَلْقِ ، وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَيْضًا يُسَمَّى عُذْرَةً ، يُقَالُ : أَعْلَقَتْ عَنْهُ أُمُّهُ إِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهِ ، وَغَمَزَتْ ذَلِكَ الْمَكَانَ بِأُصْبُعِهَا .
وَفِي النِّهَايَةِ : الْعُذْرَةُ - بِالضَّمِّ - وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ يَهِيجُ مِنَ الدَّمِ ، وَقِيلَ : هِيَ قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِي الْخُرْمِ الَّذِي بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْحَلْقِ تَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ ، فَتَعْمِدُ الْمَرْأَةُ إِلَى خِرْقَةٍ فَتَفْتِلُهَا فَتْلًا شَدِيدًا ، وَتُدْخِلُهَا فِي أَنْفِهِ ، فَتَطْعَنُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ، فَيَتَفَجَّرُ مِنْهُ الدَّمُ أَسْوَدَ ، وَرُبَّمَا أَقَرْحَهُ ، وَذَلِكَ الطَّعْنُ يُسَمَّى الدَّغْرُ ، يُقَالُ : عَذَرَتِ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ : إِذَا غَمَزَتْ حَلْقَهُ مِنَ الْعُذْرَةِ ، أَوْ فَعَلَتْ بِهِ ذَلِكَ ، وَكَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهِ عِلَاقًا كَالْعُوذَةِ ، وَقَوْلُهُ : عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ هِيَ خَمْسَةُ كَوَاكِبَ وَتَطْلُعُ فِي وَسَطِ الْحَرِّ . انْتَهَى ( فَقَالَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عَلَامَ ) بِحَذْفِ الْأَلِفِ ( تَدْغَرْنَ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بِخِطَابِ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ مِنَ الدَّغْرِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ آنِفًا . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : وَهُوَ غَمْزُ الْحَلْقِ بِالْأُصْبُعِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ تَأْخُذُهُ الْعُذْرَةُ ، وَهِيَ وَجَعٌ يَهِيجُ فِي الْحَلْقِ مِنَ الدَّمِ ، فَتُدْخِلُ الْمَرْأَةُ أُصْبُعَهَا ، فَتَدْفَعُ بِهَا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَتَكْبِسُهُ ، وَأَصْلُ الدَّغْرِ الدَّفْعُ .
انْتَهَى . قَالَ الْقَارِي : وَالْمَعْنَى : عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُعَالِجْنَ أَوْلَادَكُنَّ وَتَغْمِزْنَ حُلُوقَهُمْ ( بِهَذَا الْعِلَاقِ ) أَيْ : بِهَذَا الْعَصْرِ وَالْغَمْزِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ أَيْ : عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُعَالِجْنَ بِهَذَا الدَّاءِ الدَّاهِيَةِ وَالْمُدَاوَاةِ الشَّنِيعَةِ ( عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ ) أَيْ : بَلِ الْزَمْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِاسْتِعْمَالِ الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فِي عُذْرَةِ أَوْلَادِكُنَّ ، وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْجِنْسِ الْمُسْتَحْضَرِ فِي الذِّهْنِ وَالْعُودُ الْقِسْطُ .
قَالَ الْعَيْنِيُّ : الْقِسْطُ نَوْعَانِ : هِنْدِيٌّ وَهُوَ أَسْوَدُ ، وَبَحْرِيٌّ وَهُوَ أَبْيَضُ ، وَالْهِنْدِيُّ أَشَدُّهُمَا حَرَارَةً ( فَإِنَّ فِيهِ ) أَيْ : فِي هَذَا الْعُودِ ( سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ ) جَمْعُ شِفَاءٍ ( مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ ) أَيْ : مِنْ تِلْكَ الْأَشْفِيَةِ شِفَاءُ ذَاتِ الْجَنْبِ ، أَوِ التَّقْدِيرُ فِيهِ سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ أَدْوَاءٌ ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ فِي الْقِسْطِ ، فَسَمَّى مِنْهَا اثْنَيْنِ ، وَوَكَلَ بَاقِيهَا إِلَى طَلَبِ الْمَعْرِفَةِ أَوِ الشُّهْرَةِ فِيهَا ( يُسْعَطُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا ، وَرُوِيَ مُشَدَّدًا ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّعُوطِ ، وَهُوَ مَا يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ . بَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّدَاوِي بِهِ أَنْ يُدَقَّ الْعُودُ نَاعِمًا وَيُدْخَلَ فِي الْأَنْفِ ، وَقِيلَ : يُبَلُّ وَيُقَطَّرُ فِيهِ ، قَالَهُ الْقَارِي ( وَيُلَدُّ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ : مِنْ لَدَّ الرَّجُلُ إِذَا صَبَّ الدَّوَاءَ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ ( مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ ) أَيْ : مِنْ أَجْلِهَا ، وَسَكَتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَمْسَةِ مِنْهَا ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى تَفْصِيلِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُهِمِّ وَالْمُنَاسِبِ لِلْمَقَامِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ .