بَاب فِي الرُّقَى
بَابٌ فِي الرُّقَى : قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : رَقَيْتُهُ أَرْقِيهِ مِنْ بَابِ رَمَى رَقْيًا : عَوَّذْتُهُ بِاللَّهِ ، وَالِاسْمُ الرُّقْيَا عَلَى وَزْنِ فُعْلَى ، وَالْمَرَّةُ رُقْيَةٌ ، وَالْجَمْعُ رُقَى ، مِثْلُ مُدْيَةٍ وَمُدَى . انْتَهَى . قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ : الرُّقَى جَمْعُ رُقْيَةٍ وَهِيَ الْعُوذَةُ وَبِالْفَارِسِيَّةِ أفسون ، وَقِيلَ : مَا يُقْرَأُ مِنَ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ ، وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْقُرْآنِ وَالْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا بِالِاتِّفَاقِ ، وَبِمَا عَدَاهَا حَرَامٌ ، لَا سِيَّمَا بِمَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ .
انْتَهَى . حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، وَابْنُ السَّرْحِ قَالَ أَحْمَدُ : حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، وَقَالَ ابْنُ السَّرْحِ ، أَخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، قال : نا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَقَالَ ابْنُ صَالِحٍ : مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ : اكْشِفْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ثُمَّ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بَطْحَانَ فَجَعَلَهُ فِي قَدَحٍ ، ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ بِمَاءٍ ، وَصَبَّهُ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ ابْنُ السَّرْحِ : يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قال أبو داود : وَهُوَ الصَّوَابُ . ( قَالَ أَحْمَدُ ) : بْنُ صَالِحٍ فِي رِوَايَتِهِ ( وَهُوَ ) أَيْ : ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ( ثُمَّ أَخَذَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( مِنْ بَطْحَانَ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ اسْمُ وَادِي الْمَدِينَةِ ، وَالْبَطْحَانِيُّونَ مَنْسُوبُونَ إِلَيْهِ ، وَأَكْثَرُهُمْ يَضُمُّونَ الْبَاءَ ، وَلَعَلَّهُ الْأَصَحُّ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( فَجَعَلَهُ ) أَيِ : التُّرَابَ ( فِي قَدَحٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ آنِيَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، وَالْجَمْعُ أَقْدَاحٌ مِثْلُ : سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ ( ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ ) أَيْ : عَلَى التُّرَابِ ( بِمَاءٍ ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : نَفَثَهُ مِنْ فِيهِ نَفْثًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ رَمَى بِهِ ، وَنَفَثَ إِذَا بَزَقَ ، وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ : إِذَا بَزَقَ وَلَا رِيقَ مَعَهُ ، وَنَفَثَ فِي الْعُقْدَةِ عِنْدَ الرَّقْيِ وَهُوَ الْبُصَاقُ الْيَسِيرُ .
انْتَهَى . وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ : النَّفْثُ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ ؛ لِأَنَّ التَّفْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ ، وَالنَّفْثَ شَبِيهٌ بِالنَّفْخِ ، وَقِيلَ : هُوَ التَّفْلُ بِعَيْنِهِ ، نَفَثَ الرَّاقِي ( وَصَبَّهُ ) أَيْ : وَصَبَّ ذَلِكَ التُّرَابَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ ( عَلَيْهِ ) أَيْ : ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ، وَالْمَعْنَى أَيْ : جَعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ ، ثُمَّ رَمَى بِالْمَاءِ عَلَى التُّرَابِ ، ثُمَّ صَبَّ ذَلِكَ التُّرَابَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْمَاءَ أَوَّلًا فِي فِيهِ لِيُخَالِطَ الْمَاءَ بِرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَاءَ نُفِثَ أَيْ : رُمِيَ عَلَى التُّرَابِ ، مِنْ غَيْرِ إِدْخَالِهِ فِي فِيهِ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَيْ : رُشَّ الْمَاءُ عَلَى التُّرَابِ ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الطِّينُ الْمَخْلُوطُ بِالْمَاءِ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ قَالَ بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا ، وَوَضَعَ سُفْيَانُ - أَيْ : أَحَدُ رُوَاتِهِ - سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا ، وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا ، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا ، لِيُشْفَى سَقِيمُنَا ، بِإِذْنِ رَبِّنَا . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ : هَذَا مِنَ الْعِلَاجِ السَّهْلِ الْمُيَسَّرِ النَّافِعِ الْمُرَكَّبِ ، وَهِيَ مُعَالَجَةٌ لَطِيفَةٌ يُعَالَجُ بِهَا الْقُرُوحُ وَالْجِرَاحَاتُ الطَّرِيَّةُ ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ ؛ إِذْ كَانَتْ مَوْجُودَةً بِكُلِّ أَرْضٍ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَبِيعَةَ التُّرَابِ الْخَالِصِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ مُجَفِّفَةٌ لِرُطُوبَاتِ الْقرُوحِ وَالْجِرَاحَاتِ الَّتِي تَمْنَعُ الطَّبِيعَةُ مِنْ جَوْدَةِ فِعْلِهَا وَسُرْعَةِ انْدِمَالِهَا ، لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْحَارَّةِ ، فَإِنَّ الْقُرُوحَ وَالْجِرَاحَاتِ يَتْبَعُهَا فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ سُوءُ مِزَاجٍ حَارٍّ ، فَيَجْتَمِعُ حَرَارَةُ الْبَلَدِ وَالْمِزَاجِ وَالْجِرَاحِ ، وَطَبِيعَةُ التُّرَابِ الْخَالِصِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ أَشَدُّ مِنْ بُرُودَةِ جَمِيعِ الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرَدَةِ الْبَارِدَةِ ، فَيُقَابِلُ بُرُودَةُ التُّرَابِ حَرَارَةَ الْمَرَضِ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ التُّرَابُ قَدْ غُسِلَ وَجُفِّفَ ، وَيَتْبَعُهَا أَيْضًا كَثْرَةُ الرُّطُوبَاتِ الرَّدِيَّةِ وَالسَّيْلَانِ .
وَالتُّرَابُ مُجَفِّفٌ لَهَا ، مُزِيلٌ لِشِدَّةِ يُبْسِهِ وَتَجْفِيفِهِ لِلرُّطُوبَةِ الرَّدِيَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ بَرْدِهَا ، وَيَحْصُلُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ تَعْدِيلُ مِزَاجِ الْعُضْوِ الْعَلِيلِ ، وَمَتَى اعْتَدَلَ مِزَاجُ الْعُضْوِ قَوِيَتْ قُوَاهُ الْمُدَبِّرَةُ ، وَدَفَعَتْ عَنْهُ الْأَلَمَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَمَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ رِيقِ نَفْسِهِ عَلَى أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ ، ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى التُّرَابِ فَيَعْلَقُ بِهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَيَمْسَحُ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ ، وَيَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَكَةِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ، فَيَنْضَمُّ أَحَدُ الْعِلَاجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ فَيَقْوَى التَّأْثِيرُ ، وَهَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : تُرْبَةُ أَرْضِنَا جَمِيعُ الْأَرْضِ أَوْ أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مِنَ التُّرْبَةِ مَا يَكُونُ فِيهِ خَاصِّيَّةٌ يُنْفَعُ بخاصية مِنْ أَدْوَاءٍ كَثِيرَةٍ ، وَيَشْفِي بِهَا أَسَقَامًا رَدِيَّةً . قَالَ جَالِينُوسُ : رَأَيْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَطْحُولِينَ وَمُسْتَسْقِينَ كَثِيرًا ، يَسْتَعْمِلُونَ طِينَ مِصْرَ ، وَيَطْلُونَ بِهِ عَلَى سُوقِهِمْ وَأَفْخَاذِهِمْ وَسَوَاعِدِهِمْ وَظُهُورِهِمْ وَأَضْلَاعِهِمْ ، فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ مَنْفَعَةً بَيِّنَةً . قَالَ : وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ قَدْ يَقَعُ هَذَا الطِّلَاءُ لِلْأَوْرَامِ الْعَفِنَةِ وَالْمُتَرَهِّلَةِ الرَّخْوَةِ ، قَالَ : وَإِنِّي لَأَعْرِفُ قَوْمًا تَرَهَّلَتْ أَبْدَانُهُمْ كُلُّهَا مِنْ كَثْرَةِ اسْتِفْرَاغِ الدَّمِ مِنْ أَسْفَلَ انْتَفَعُوا بِهَذَا الطِّينِ نَفْعًا بَيِّنًا ، وَقَوْمًا آخَرِينَ شَفَوْا بِهِ أَوْجَاعًا مُزْمِنَةً كَانَتْ مُتَمَكِّنَةً فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ تَمَكُّنًا شَدِيدًا ، فَبَرَأَتْ وَذَهَبَتْ أَصْلًا ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ الْمَسِيحِيُّ : قُوَّةُ الطِّينِ الْمَحْلُوبِ مِنْ كَبُوسٍ وَهِيَ حَرِيرَةُ الْمَصْطَكَى قُوَّةٌ يَجْلُو وَيَغْسِلُ وَيُنْبِتُ اللَّحْمَ فِي الْقُرُوحِ ويختم القروح .
انْتَهَى . وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي هَذِهِ التُّرْبَاتِ ، فَمَا الظَّنُّ بِأَطْيَبِ تُرْبَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَبْرَكِهَا ، وَقَدْ خَالَطَتْ رِيقَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَارَبَتْ رُقْيَتَهُ بِاسْمِ رَبِّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا ، وَالصَّوَابُ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى .