بَاب فِي الطِّيَرَةِ
حدثنا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبَّاسُ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَا : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْضٌ عِنْدَنَا يُقَالُ لَهَا : أَرْضُ أَبْيَنَ هِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا ، وَإِنَّهَا وَبِئَةٌ ، أَوْ قَالَ : وَبَاؤُهَا شَدِيدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : دَعْهَا عَنْكَ ، فَإِنَّ مِنْ الْقَرَفِ التَّلَفَ ( فَرْوَةَ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ( بْنِ مُسَيْكٍ ) تَصْغِيرُ مِسْكٍ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، مُرَادِيٌّ غُطَيْفِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ تِسْعٍ فَأَسْلَمَ ، رَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ ( أَبْيَنَ ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فَتَحْتِيَّةٍ فَنُونٍ بِلَفْظِ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِنَ الْبَيَانِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ رَجُلٍ يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَدَنَ ، وَيُقَالُ : عَدَنُ أَبْيَنُ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : هُوَ بِوَزْنِ أَحْمَرَ ، قَرْيَةٌ إِلَى جَانِبِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمَنِ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْمُ مَدِينَةِ عَدَنَ انْتَهَى ( هِيَ أَرْضُ رِيفِنَا ) بِإِضَافَةِ أَرْضُ إِلَى رِيفِنَا ، وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا فَاءٌ ، وَهُوَ الْأَرْضُ ذَاتُ الزَّرْعِ وَالْخِصْبِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ كُلُّ أَرْضٍ فِيهَا زَرْعٌ وَنَخْلٌ انْتَهَى ( وَمِيرَتِنَا ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى رِيفِنَا أَيْ : طَعَامُنَا الْمَجْلُوبُ أَوِ الْمَنْقُولُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ( وَإِنَّهَا وَبِئَةٌ ) عَلَى وَزْنِ فَعِلَةٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ : كَثِير الْوَبَاءِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَبِيئَةٌ عَلَى وَزْنِ فَعِيلَةٍ .
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : وَبَأَ مِثْلُ فَلَسَ كَثُرَ مَرَضُهَا فَهِيَ وَبِئَةٌ وَوَبِيئَةٌ عَلَى فَعِلَةٍ وَفَعِيلَةٍ انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ : الْوَبَا بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ وَالْهَمْزِ : الطَّاعُونُ وَالْمَرَضُ الْعَامُّ ، وَقَدْ أَوْبَأَتِ الْأَرْضُ فَهِيَ مُوبِئَةٌ ، وَوَبِئَتْ فَهِيَ وَبِيئَةٌ انْتَهَى ( وَبَاؤُهَا ) أَيْ : عَنْ كَثَافَةِ هَوَائِهَا ( شَدِيدٌ ) قَوِيٌّ كَثِيرٌ . ( دَعْهَا عَنْكَ ) أَيِ : اتْرُكْهَا عَنْ دُخُولِكَ فِيهَا وَالتَّرَدُّدِ إِلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بَلَدِ الطَّاعُونِ ( فَإِنَّ مِنَ الْقَرَفِ ) بِفَتْحَتَيْنِ .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْقَرَفُ مُلَابَسَةُ الدَّاءِ وَمُدَانَاةُ الْمَرَضِ ( التَّلَفُ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ : الْهَلَاكُ . وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنَ مُلَابَسَةِ الدَّاءِ وَمُدَانَاةِ الْوَبَاءِ تَحْصُلُ بِهَا هَلَاكَةُ النَّفْسِ ، فَالدُّخُولُ فِي أَرْضٍ بِهَا وَبَاءٌ وَمَرَضٌ لَا يَلِيقُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَابْنُ الْأَثِيرِ : لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ وَالْعَدْوَى وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ الطِّبِّ ; لِأَنَّ اسْتِصْلَاحَ الْهَوَاءِ مِنْ أَعْوَانِ الْأَشْيَاءِ عَلَى صِحَّةِ الْأَبَدَانِ ، وَفَسَادَ الْهَوَاءِ مِنْ أَضَرِّهَا وَأَسْرَعِهَا إِلَى إِسْقَامِ الْبَدَنِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْرٍ ، عَنْ فَرْوَةَ وَأَسْقَطَ مَجْهُولًا ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاذٍ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يُكَذِّبُهُ انْتَهَى .