بَاب فِي مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا
بَابٌ : فِي مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ الْجَرَّاحِ الْأَذَنِيُّ ، نا أَبُو النَّضْرِ ، نا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِكِسْوَةٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ صَغِيرَةٌ فَقَالَ : مَنْ تَرَوْنَ أَحَقُّ بِهَذِهِ ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ : ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ فَأُتِيَ بِهَا فَأَلْبَسَهَا إِيَّاهَا ، ثُمَّ قَالَ : أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمٍ فِي الْخَمِيصَةِ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ ، وَيَقُولُ : سَنَاهْ سَنَاهْ يَا أُمَّ خَالِدٍ وَسَنَاهْ فِي كَلَامِ الْحَبَشَةِ الْحَسَنُ باب في ما يدعى بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الدُّعَاءِ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا ( إِسْحَاقُ بْنُ الْجَرَّاحِ الْأَذَنِيُّ ) : بِفَتْحَتَيْنِ ، مُخَفَّفٌ صَدُوقٌ ، قَالَهُ الْحَافِظُ : ( أُتِيَ ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ( فِيهَا خَمِيصَةٌ ) : بِالْخَاءِ المعجمة الْمَفْتُوحَةِ وَالْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ السَّاكِنَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ثَوْبٌ مِنْ حَرِيرٍ ، أَوْ صُوفٍ ، مُعَلَّمٍ أَوْ كِسَاءٌ مُرَبَّعٍ ، لَهُ علمَانُ أَوْ كِسَاءٌ رَقِيقٍ مِنْ أَيِّ لَوْنٍ كَانَ ، أَوْ لَا تَكُونُ خَمِيصَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ سَوْدَاءَ مُعَلَّمَةً ، كَذَا قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : ( مَنْ تَرَوْنَ ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَالرَّاءِ ( أَحَقَّ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ تَرَوْنَ ، وَمَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَنْ تَرَوْنَهُ أَحَقَّ بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارَيِّ مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ ( فَأُتِيَ بِهَا ) : فِيهِ الْتِفَاتٌ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَأُتِيَ بِيَ النَبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَأَلْبَسَهَا ) : أَيْ أُمَّ خَالِدٍ ( إِيَّاهَا ) : أَيِ الْخَمِيصَةَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِيَّاهُ بِالتَّذْكِيرِ بِتَأْوِيلِ الثَّوْبِ ( ثُمَّ قَالَ : أَبْلِي وَأَخْلِقِي ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَبْلِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ، أَمْرٌ بِالْإِبْلَاءِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ أَخْلِقِي بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ أَمْرٌ بِالْإِخْلَاقِ ، وَهُمَا بِمَعْنًى والعرَبُ تُطْلِقُ ذَلِكَ وَتُرِيدُ الدُّعَاءَ بِطُولِ الْبَقَاءِ لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ ، أَيْ : أَنَّهَا تَطُولُ حَيَاتُهَا حَتَّى يَبْلَى الثَّوْبُ وَيَخْلَقُ قَالَ الْخَلِيلُ : أَبْلِ وَأَخْلِقْ ، مَعْنَاهُ : عِشْ وَخَرِّقْ ثِيَابَكَ وَأَرْقِعْهَا .
قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرَوَزِيِّ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ : وَأَخْلِفِي بِالْفَاءِ ، وَهِيَ أَوْجَهُ مِنِ الَّتِي بِالْقَافِ ؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَسْتَلْزِمُ التَّأْكِيدَ إِذِ الْإِبْلَاءُ وَالْإِخْلَاقُ بِمَعْنًى ، لَكِنْ جَازَ الْعَطْفُ لِتَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ ، وَالثَّانِيَةُ تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا أَبْلَتْهُ أَخْلَفَتْ غَيْرَهُ ، وَيُؤَيِّدُهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ إِلَخِ ، انْتَهَى ( أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ ) : وَفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ ( أَخْضَرَ ) بَدَلَ ( أَحْمَرَ ) والشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي ، ( وَيَقُولُ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( سَنَاهْ سَنَاهْ ) : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ هَاءٌ سَاكِنَةٌ أَيْ حَسَنٌ حَسَنٌ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : هَذَا سَنَاهْ ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ عَلَمُ الْخَمِيصَةِ ( وَسَنَاهْ فِي كَلَامِ الْحَبَشَةِ الْحَسَنُ ) : قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَكَلَّمَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ ؛ لِأَنَّهَا وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الصَّلَاحِ : قَدِ اسْتَخْرَجَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لِلُبْسِ الْخِرْقَةِ أَصْلًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى السُّهْرَوَرْدِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ ، فَقَالَ : وَأَصْلُ لُبْسِ الْخِرْقَةِ هَذَا الْحَدِيثُ قَالَ : وَلُبْسُ الْخِرْقَةِ ارْتِبَاطٌ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالْمُرِيدِ ، فَيَكُونُ لُبْسُ الْخِرْقَةِ عَلَامَةً لِلتَّفْوِيضِ وَالتَّسْلِيمِ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِحْيَاءِ سُنَّةِ الْمُبَايَعَةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ لُبْسَ الْخِرْقَةِ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا الشُّيُوخُ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ رَأَيْنَا مِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ لَا يَلْبَسُ الْخِرْقَةَ ، وَكَانَ طَبَقَةٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ لَا يَعْرِفُونَ الْخِرْقَةَ ، وَلَا يُلْبِسُونَ الْمُرِيدِينَ ، فَمَنْ يَلْبَسْهَا فَلَهُ مَقْصِدٌ صَحِيحٌ ، وَمَنْ لَمْ يَلْبَسْهَا فَلَهُ رَأْيُهُ ، وَكُلُّ تَصَارِيفِ الْمَشَايِخِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّدَادِ وَالصَّوَابِ وَلَا تَخْلُو عَنْ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ .
قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَقَدِ اسْتَنْبَطْتُ لِلْخِرْقَةِ أَصْلًا أَوْضَحَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ إِرْخَاءِ طَرَفِ الْعِمَامَةِ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، وَعَقَدَ لِوَاءً ، وَعَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِمَامَةٌ مِنْ كَرَابِيسَ مَصْبُوغَةٍ بِسَوَادٍ ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَلَّ عِمَامَتَهُ فَعَمَّمَهُ بِيَدِهِ ، وَأَفْضَلَ مِنْ عِمَامَتِهِ مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَقَالَ : هَكَذَا ، فَاعْتَمَّ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَجْمَلُ ، فَهَذَا أَوْضَحُ فِي كَوْنِهِ أَصْلًا لِلُبْسِ الْخِرْقَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الصُّوفِيَّةَ إِنَّمَا يَلْبَسُونَ طَاقِيَّةً عَلَى رَأْسٍ لَا ثَوْبًا عَامًّا لِكُلِّ بَدَنِهِ . الثَّانِي : أَنَّ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي اللِّبَاسِ غِطَاءٌ وَقِسْمَةٌ وَكِسْوَةٌ ، وَهَذَا بِالرَّأْسِ تَشْرِيفٌ ، وَهُوَ السَّبَبُ لِلُبْسِ الْخِرْقَةِ . وَوَجْهٌ ثَالِثٌ : أَنَّ لُبْسَ الْخِرْقَةِ نَوْعٌ مِنَ الْمُبَايَعَةِ ، كَمَا أَشَارَ لَهُ السُّهْرَوَرْدِيُّ ، وَأُمُّ خَالِدٍ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَصْلُحُ لِلْمُبَايَعَةِ بِخِلَافِ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .