حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَزِّ

حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ ، نا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَ : نا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ نا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيَّ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ ، أَوْ أَبُو مَالِكٍ وَاللَّهِ يَمِينٌ أُخْرَى مَا كَذَّبَنِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَذَكَرَ كَلَامًا قَالَ : يُمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرُينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَعِشْرُونَ نَفْسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَكْثَرُ لَبِسُوا الْخَزَّ ، مِنْهُمْ أَنَسٌ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَاذِبٍ ( حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ ) : بِالشَّكِّ وَالشَّكُّ فِي اسْمِ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ . كَذَا قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : قُلْتُ : هَكَذَا بِالشَّكِّ فِي نُسَخِ الْكِتَابِ وَكَذَا فِي الْمُنْذِرِيِّ .

وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي رِسَالَتِهِ إِبْطَالُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ مُطْلَقِ السَّمَاعِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ دَاسَةَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ وَفِي رِوَايَةِ الرَّمْلِيِّ عَنْهُ بِالشَّكِّ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ سَمِعَ أَبَا عَامِرٍ وَأَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّين ، انْتَهَى . ( وَاللَّهِ يَمِينٌ أُخْرَى مَا كَذَبَنِي ) : بِتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي كَمَالِ صِدْقِهِ ( يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي بَابِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَهُوَ الْفَرْجُ ، وَكَذَلِكَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ ، ضَبَطَهُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ .

قَالَ وَأَصْلُهُ : حَرْحُ فَحُذِفَ أَحَدُ الْحَائَيْنِ ، وَجَمْعُهُ أَحْرَاحٌ ، كَفَرْخٍ وَأَفْرَاخٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَدَّدَ الرَّاءَ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، يُرِيدُ أَنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِمُ الزِّنَا . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ كَذَا فِي النَّيْلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْخَزِّ وَالْحَدِيثُ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا بِلَفْظِ : لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ ، الْحَدِيثَ . ( وَالْحَرِيرَ ) : أَيْ وَيَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ ، وَمَعْنَى اسْتِحْلَالِهَما : أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهَما أَوْ هُوَ مَجَازٌ عَنِ الِاسْتِرْسَالِ ، أَيْ يَسْتَرْسِلُونَ فِيهِمَا كَالِاسْتِرْسَالِ فِي الْحَلَالِ ( وَذَكَرَ كَلَامًا ) : هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ : وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ ، يَعْنِي : الْفَقِيرَ ، لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ : ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا ، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ عَلَيْهِمُ ، انْتَهَى .

وَقَوْلُهُ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ الْجَبَلُ الْعَالِي ، وَقِيلَ : رَأْسُ الْجَبَلِ ، وَقَوْلُهُ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ أَيِ الرَّاعِي ، وَقَوْلُهُ : بِسَارِحَةٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي تَسْرَحُ بِالْغَدَاةِ إِلَى رَعْيِهَا ، وَتَرُوحُ أَيْ تَرْجِعُ بِالْعَشِيِّ إِلَى مَأْلَفِهَا . وَقَوْلُهُ : فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ أَيْ يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ لَيْلًا . وَقَوْلُهُ يَضَعُ الْعَلَمَ ، أَيْ يُوقِعُهُ عَلَيْهِمْ .

( قَالَ : يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ ) : كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ آخرون ( قِرَدَةً ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ قِرْدٍ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْخَ وَاقِعٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَبَدُّلِ أَخْلَاقِهِمْ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالسِّيَاقِ .

وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَزِّ ، وَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمَارَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَلَاهِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا يُمْسَخُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلَى وَيَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ ، قَالُوا : فَمَا بَالُهُمْ ؟ قَالَ : اتَّخَذُوا الْمَعَازِفَ وَالدُّفُوفَ وَالْقَيْنَاتَ ، فَبَاتُوا عَلَى شُرْبِهِمْ وَلَهْوِهِمْ ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، وَلَيَمُرَّنَّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فِي حَانُوتِهِ يَبِيعُ ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ وَقَدْ مُسِخَ قِرْدًا أَوْ خِنْزِيرًا ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْشِيَ الرَّجُلَانِ فِي الْأَمْرِ ، فَيُمْسَخُ أَحَدُهُمَا قِرْدًا أَوْ خِنْزِيرًا ، وَلَا يَمْنَعُ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا مَا رَأَى بِصَاحِبِهِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى شَأْنِهِ حَتَّى يَقْضِيَ شَهْوَتَهُ .

قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَعِشْرُونَ نَفْسًا إِلَخْ ) : لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ ، وَكَذَا لَيْسَتْ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ ، وَكَذَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ ، وَإِنَّمَا وُجِدَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ السُّنَنِ .

قَالَ فِي مُنْتَقَى الْأَخْبَارِ : وَقَدْ صَحَّ لُبْسُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ تَحْتَ هَذَا الْقَوْلِ : لَا يَخْفَاكَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي فِعْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا ، وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا هِيَ فِي إِجْمَاعِهِمْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِهِ أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ ، وَذَكَرَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْمَسْخِ إِلَى الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ ، انْتَهَى . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي ، وَقَدْ ثَبَتَ لُبْسُ الْخَزِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَبِسَهُ عِشْرُونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرُ . وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمْعٍ مِنْهُمْ وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ .

وَأَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الدَّشْتَكِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى بَغْلَةٍ ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ ، وَهُوَ يَقُولُ : كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبةَ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ : أَتَتْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ مَطَارِفُ خَزٍّ ، فَكَسَاهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْأَصَحُّ فِي تَفْسِيرِ الْخِزَانَةِ : ثِيَابٌ سَدَاهَا مِنْ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَقِيلَ : تُنْسَنجُ مَخْلُوطَةٌ مِنْ حَرِيرٍ وَصُوفٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَقِيلَ : أَصْلُهُ اسْمُ دَابَّةٍ ، يُقَالُ لَهَا : الْخَزُّ ، سُمِّيَ الثَّوْبُ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبَرِهِ خَزًّا ؛ لِنُعُومَتِهِ ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَا يُخْلَطُ بِالْحَرِيرِ لِنُعُومَةِ الْحَرِيرِ .

وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِلُبْسِهِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ مَا يُخَالِطُهُ الْحَرِيرُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ الْخَزَّ الَّذِي لَبِسَهُ السَّلَفُ كَانَ مِنَ الْمَخْلُوطِ بِالْحَرِيرِ . وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لُبْسَ الْخَزِّ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُهْرَةٌ . وَعَنْ مَالِكٍ : الْكَرَاهَةُ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخَزِّ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث