بَاب مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ
بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ تُبَاعُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ : رضي الله عنه يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا ، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ بَاب مَا جَاءَ فِي لبس الْحَرِيرِ ( رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ ) : بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ ، ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ ثُمَّ أَلِفٍ مَمْدُودَةٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : ضَبَطُوا الْحُلَّةَ هَاهُنَا بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّ سِيَرَاءَ صِفَةٌ ، وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى الْإِضَافَةِ ، وَهُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ، وَالْمُحَقِّقُونَ وَمُتْقِنُوا الْعَرَبِيَّةِ يَخْتَارُونَ الْإِضَافَةَ . قَالَ سِيبَوَيْهِ : لَمْ تَأْتِ فَعَلَاءُ صِفَةً ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يُنَوِّنُونَ .
قَالُوا : هِيَ بُرُودٌ يُخَالِطهَا حَرِيرٌ ، وَهِيَ مُضَلَّعَةٌ بِالْحَرِيرِ ، وَكَذَا قَالَهُ الْخَلِيلُ وَالْأَصْمَعِيُّ وَآخَرُونَ قَالُوا : كَأَنَّهَا شُبِّهَتْ خُطُوطُهَا بِالسُّيُورِ . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : هي ثياب مُضَلَّعَةٌ بِالْقَزِّ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا حَرِيرٌ مَحْضٌ . وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ) وَفِي الْأُخْرَى مِنْ دِيبَاجٍ أَوْ حَرِيرٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : حُلَّةَ سُنْدُسٍ ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْحُلَّةَ كَانَتْ حَرِيرًا مَحْضًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ، وَالْحُلَّةُ : لَا تَكُونُ إِلَّا ثَوْبَانِ وَتَكُونُ غَالِبًا إِزَارًا وَرِدَاءً ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ .
( عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ تُبَاعُ ) : وَكَانَتْ تِلْكَ الْحُلَّةُ لِعُطَارِدٍ التَّمِيمِيِّ كَسَاهُ إِيَّاهَا كِسْرَى ( وَلِلْوُفُودِ ) : وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ لِوُفُودِ الْعَرَبِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَكَأَنَّهُ خَصَّهُ بِالْعَرَبِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذْ ذَاكَ الْوُفُودَ فِي الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ لَمَّا فُتِحَتْ بَادَرَ الْعَرَبُ بِإِسْلَامِهِمْ ، فَكَانَ كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرْسِلُ كُبَرَاءَهَا لِيُسْلِمُوا وَيَتَعَلَّمُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُعَلِّمُوهُمْ . ( مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ ) : أَيْ لَا حَظَّ لَهُ ، أَوْ لَا نَصِيبَ لَهُ .
( ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : بِالنَّصْبِ ( مِنْهَا حُلَلٌ ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ( فَأَعْطَى ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ ) : هُوَ صَاحِبُ الْحُلَّةِ ابْنُ حَاجِبٍ التَّمِيمِيُّ ( مَا قُلْتَ ) : مَا مَوْصُولَةٌ ، وَجُمْلَةُ ( وَقَدْ قُلْتَ ) حَالِيَّةٌ ( أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ ) وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ أَخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ ، وَسَمَّاهُ ابْنُ بَشْكُوَالٍ عُثْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ ، قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ وَإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ ، وَجَوَازِ إِهْدَاءِ الْمُسْلِمِ إِلَى الْمُشْرِكِ ثَوْبًا وَغَيْرَهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَهَذَا الْأَخُ الَّذِي كَسَاهُ عُمَرُ كَانَ أَخَاهُ مِنْ أُمِّهِ ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ ، وَقِيلَ : إِنَّ اسْمَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ، فَأَمَّا أَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .