بَاب مَنْ كَرِهَهُ
حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْماَعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتُقَةً مِنْ سُنْدُسٍ ، فَلَبِسَهَا ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يَدَيْهِ تَذَبْذَبَانِ ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى جَعْفَرٍ فَلَبِسَهَا ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا قَالَ : فَمَا أَصْنَعُ بِهَا ؟ قَالَ : أَرْسِلْ بِهَا إِلَى أَخِيكَ النَّجَاشِيِّ ( مُسْتَقَةً ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَقَافٍ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْمَسَاتِقُ : فِرَاءٌ طِوَالُ الْأَكْمَامِ ، وَاحِدُهَا : مُسْتَقَةٌ ، قَالَ : وَأَصْلُهَا فِي الْفَارِسِيَّةِ مشته ، فَعُرِّبَتْ كَذَا فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ . ( مِنْ سُنْدُسٍ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمُسْتَقَةُ مُكَفَّفَةٌ بِالسُّنْدُسِ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْفَرْوَةِ لَا تَكُونُ سُنْدُسًا ، انْتَهَى .
وَفِي النِّهَايَةِ : مُسْتَقَةٌ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِهَا : فَرْوٌ طَوِيلُ الْكُمَّيْنِ ، وَهِيَ تَعْرِيبُ مشته ، وَقَوْلُهُ : مِنْ سُنْدُسٍ يُشْبِهُ أَنَّهَا كَانَتْ مُكَفَّفَةً بِالسُّنْدُسِ ، وَهُوَ الرَّفِيعُ مِنَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْفَرْوِ لَا يَكُونُ سُنْدُسًا ، وَجَمْعُهَا مَسَاتِقُ ، انْتَهَى ( فَلَبِسَهَا ) : أَيِ الْمُسْتَقَةُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أُكَيْدَرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ جُبَّةَ سُنْدُسٍ أَوْ دِيبَاجٍ قَبْلَ أَنْ يُنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ ، فَلَبِسَهَا فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهَا ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا عَنِيفًا شَدِيدًا ، كَالْكَارِهِ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : لَبِسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ يَنْزِعَهُ ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقِيلَ : قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : نَهَانِي عَنْهُ جِبْرَئِيلُ عليه الصلاة والسلام ، فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبْكِي ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَرِهْتَ أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ ، فَمَا لِي ، فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسَهُ ، إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَ تَبِيعُهُ ، فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُ الْحَرِيرَ ، ثُمَّ كَانَ التَّحْرِيمُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ ( فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يَدَيْهِ تَذَبْذَبَانِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ : تَتَحَرَّكَانِ وَتَضْطَرِبَانِ ، يُرِيدُ الْكُمَّيْنِ ( ثُمَّ بَعَثَ بِهَا ) : أَيْ بِالْمُسْتَقَةِ ( إِلَى جَعْفَرِ ) : بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( فَلَبِسَهَا ) : جَعْفَرٌ ( إِلَى أَخِيكَ النَّجَاشِيِّ ) : مَلِكِ الْحَبَشَةِ ، مُكَافَأَةً لِإِحْسَانِهِ ، وَبَدَلًا للِصنِيعِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي فَعَلَهُ بِكَ ، فَهَذِهِ هَدِيَّةُ مَلِكِ الرُّومِ لَائِقٌ بِحَالِ مَلِكِ الْحَبَشَةِ .
وَفِيهِ تَوْجِيهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ الْمُسْتَقَةَ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ ، لِكَوْنِهَا مُكَفَّفَةً بِالسُّنْدُسِ ، وَلَيْسَ جَمِيعُهَا حَرِيرًا خَالِصًا ; لِأَنَّ نَفْسَ الْفَرْوَةِ لَا تَكُونُ سُنْدُسًا ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَكَ لُبْسَهَا عَلَى الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى ، وَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ يُطَابَقُ الْحَدِيثُ بِالْبَابِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطَاؤُهَا لِجَعْفَرٍ بَعْدَ التَّحْرِيمِ ، وَكَانَ قَدْرُ مَا كَفَّ هُنَا أَكْثَرَ مِنَ الْقَدْرِ الْمُرَخَّصِ ثُمَّ إِهْدَاءهَا لِمَلَكِ الْحَبَشَةِ لِيَنْتَفِعَ بِهَا ، بِأَنْ يَكْسُوَهَا النِّسَاءَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ مَكِّيٌّ ، نَزَلَ الْبَصْرَةَ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .