بَاب فِي الْعَمَائِمِ
حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْماَعِيلَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، نا عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ الْغَطَفَانِيُّ ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ خَرَّبُوذَ ، حَدَّثَنِا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَقُولُ : عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي ( نَا سُلَيْمَانُ بْنُ خَرَّبُوذٍ ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَها مُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ مَجْهُولٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( عَمَّمَنِي ) : بِمِيمَيْنِ ، أَيْ لَفَّ عِمَامَتِي عَلَى رَأْسِي ( فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي ) : أَيْ أَرْسَلَ لِعِمَامَتِي طَرَفَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا عَلَى صَدْرِي ، وَالْآخَرُ مِنْ خَلْفِي والحديث ضعيف . فالأولى أن يرسل طرف العمامة الذي يسمى العلامة ، والعذبة والذبابة ، بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ الْمَذْكُورُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، قَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْدُلُ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ .
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ . قَالَ فِي السُّبُلِ : مِنْ آدَابِ الْعِمَامَةِ تَقْصِيرُ الْعَذَبَةِ ، فَلَا تَطُولُ طُولًا فَاحِشًا ، وَإِرْسَالُهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ ، وَيَجُوزُ تَرْكُهَا بِالْأَصَالَةِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : يَجُوزُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ بِإِرْسَالِ طَرَفِهَا وَبِغَيْرِ إِرْسَالِهِ ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْي عَنْ تَرْكِ إِرْسَالِهَا شَيْءٌ ، وَإِرْسَالُهَا إِرْسَالًا فَاحِشًا كَإِرْسَالِ الثَّوْبِ يَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ ، انْتَهَى .
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ ، قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ نَحْوًا مِنْ ذِرَاعٍ . وَرَوَى سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ رِشْدِينَ قَالَ : رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ ، وَيُرْخِيهَا شِبْرًا ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ شِبْرٍ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، فَأَرْسَلَ مِنْ خَلْفِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعٍ أَوْ نَحْوَهَا ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا ، فَاعْتَمَّ ، فَإِنَّهُ أَعْرَبُ وَأَحْسَنُ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ .
وَفِي الْمِرْقَاةِ : قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ : قَدْ تَتَبَّعْتُ الْكُتُبَ وَتَطَلَّبْتُ مِنِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ لِأَقِفَ عَلَى قَدْرِ عِمَامَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِمَامَةٌ قَصِيرَةٌ وَعِمَامَةٌ طَوِيلَةٌ ، وَأَنَّ الْقَصِيرَةَ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَالطَّوِيلَةَ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا . ذَكَرَهُ الْقَارِيُّ ، وَقَالَ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَدْخَلِ أَنَّ عِمَامَتَهُ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ ، انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ ، عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَهِيَ الَّتِي صَارَتْ شِعَارَ الصَّالِحِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَّةِ ، يَعْنِي : إِرْسَالَ الْعِلامَةِ عَلَى الصَّدْرِ ، انْتَهَى ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَعِلْمُهُ أَتَمُّ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مَجْهُولٌ .