بَاب مَا جَاءَ فِي خِضَابِ السَّوَادِ
بَابُ مَا جَاءَ فِي خِضَابِ السَّوَادِ حدثنا أَبُو تَوْبَةَ ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ بَاب مَا جَاءَ فِي خِضَابِ السَّوَادِ ( يَخْضِبُونَ ) : بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يُغَيِّرُونَ الشَّعْرَ الْأَبْيَضَ مِنَ الشَّيْبِ الْوَاقِعِ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ ( بِالسَّوَادِ ) : أَيْ بِاللَّوْنِ الْأَسْوَدِ ( كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ ) : أَيْ كَصُدُورِهَا فَإِنَّهَا سُودٌ غَالِبًا وَأَصْلُ الْحَوْصَلَةِ الْمَعِدَةُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا صَدْرُهُ الْأَسْوَدُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَاهُ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ فِي الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ حَوَاصِلَ بَعْضِ الْحَمَامَاتِ لَيْسَتْ بِسُودٍ ( لَا يَرِيحُونَ ) : أَيْ لَا يَشُمُّونَ وَلَا يَجِدُونَ ( رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ) : يَعْنِي وَرِيحُهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ كَمَا فِي حَدِيثٍ ، فَالْمُرَادُ بِهِ التَّهْدِيدُ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ أَوْ مُقَيَّدٌ بِمَا قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ مِنَ الْقَبْرِ أَوِ الْمَوْقِفِ أَوِ النَّارِ . قَالَ مَيْرَكُ : ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى كَرَاهَةِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ ، وَجَنَحَ النَّوَوِيُّ إِلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَادِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، فَأَجَازَهُ لَهَا دُونَ الرَّجُلِ وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيُّ . وَأَمَّا خَضْبُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَيُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَيَحْرُمُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ إِلَّا لِلتَّدَاوِي ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ تَحْتَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ : هَكَذَا أَطْلَقَ . وَلِأَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ .
وَفِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِتَغْيِيرِ الشَّعْرِ مُخَالَفَةً لِلْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَسْأَلَةُ اسْتِثْنَاءِ الْخَضْبِ بِالسَّوَادِ لِحَدِيثَيْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَادِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ مُطْلَقًا ، وَأَنَّ الْأَوْلَى كَرَاهَتُهُ ، وَجَنَحَ النَّوَوِيُّ إِلَى أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ . وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ ، وَجَرِيرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الْخِضَابِ لَهُ ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ بِالسَّوَادِ لَا يَجِدُونَ رِيحَ الْجَنَّةِ ، بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى كَرَاهَةِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ ، بَلْ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ قَوْمٍ هَذِهِ صِفَتُهُمْ ، وَعَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ جَنِّبُوهُ السَّوَادَ بِأَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ صَارَ شَيْبُ رَأْسِهِ مُسْتَبْشَعًا ، وَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ انْتَهَى . وَمَا قَالَهُ خِلَافُ مَا يَتَبَادَرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثَيْنِ .
نَعَمْ يَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كُنَّا نَخْضِبُ بِالسَّوَادِ إِذَا كَانَ الْوَجْهُ جَدِيدًا فَلَمَّا نَغَضَ الْوَجْهُ وَالْأَسْنَانُ تَرَكْنَاهُ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ : مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَسَنَدُهُ لَيِّنٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَا النَّسَائِيُّ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ أَبُو أُمَيَّةَ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَضَعْفُ الْحَدِيثِ بِسَبَبِهِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ أَبُو سَعِيدٍ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ وَقَوَّى مَنْ قَالَ : إِنَّهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ نَزَلَ مَكَّةَ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي رَوَى عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .