بَاب ذِكْرِ الْفِتَنِ وَدَلَائِلِهَا
حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَنْبَسَةُ ، حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ ، وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ ، وَيُلْقَى الشُّحُّ ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَّةُ هُوَ ؟ قَالَ : الْقَتْلُ الْقَتْلُ ( يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ ) : قَدْ يُرَادُ بِهِ اقْتِرَابُ السَّاعَةِ ، أَوْ تَقَارُبُ أَهْلِ الزَّمَانِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ ، أَوْ قِصَرِ أَعْمَارِ أَهْلِهِ ، أَوْ قُرْبِ مُدَّةِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ قِصَرُ زَمَانِ الْأَعْمَارِ وَقِلَّةُ الْبَرَكَةِ فِيهَا ، وَقِيلَ : هُوَ دُنُوُّ زَمَانِ السَّاعَةِ ، وَقِيلَ : قِصَرُ مُدَّةِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الزَّمَانَ يَتَقَارَبُ حَتَّى يَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ ، وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ، وَالسَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السُّفْعَةِ . انْتَهَى .
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَقَارُبِ الزَّمَانِ تَسَارُعُ الدُّوَلِ إِلَى الِانْقِضَاءِ وَالْقُرُونِ إِلَى الِانْقِرَاضِ ، فَيَتَقَارَبُ زَمَانُهُمْ وَتَتَدَانَى أَيَّامُهُمْ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ تَقَارُبُ أَحْوَالِهِ فِي أَهْلِهِ فِي قِلَّةِ الدِّينِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ وَلَا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ لِغَلَبَةِ الْفِسْقِ وَظُهُورِ أَهْلِهِ ( وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ ) : أَيْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْيَانِ ( وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ ) : أَيْ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمِحَنُ ( وَيُلْقَى الشُّحُّ ) : فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ ، أَيْ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ حَتَّى يَبْخَلَ الْعَالِمُ بِعِلْمِهِ ، وَالصَّانِعُ بِصَنْعَتِهِ ، وَالْغَنِيُّ بِمَالِهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُجُودَ أَصْلِ الشُّحِّ ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ ، إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ ( أَيَّةُ هُوَ ) : أَيِ الْهَرْجُ أَيُّ شَيْءٍ ( قَالَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمِزِّيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَفِي الْفِتَنِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْقَدَرِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ .