بَاب النَّهْيِ عَنْ السَّعْيِ فِي الْفِتْنَةِ
حدثنا مُسَدَّدٌ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ ، عَنْ هُزَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي ، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ ، فَإِنْ دُخِلَ يَعْنِي : عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ ( مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ ) : أَيْ قُدَّامَهَا مِنْ أَشْرَاطِهَا ( فِتَنًا ) أَيْ فِتَنًا عِظَامًا وَمِحَنًا جِسَامًا ( كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَيُسَكَّنُ ، أَيْ كُلُّ فِتْنَةٍ كَقِطْعَةٍ مِنِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فِي شِدَّتِهَا وَظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ تَبَيُّنِ أَمْرِهَا . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يُرِيدُ بِذَلِكَ الْتِبَاسَهَا وَفَظَاعَتَهَا وَشُيُوعَهَا وَاسْتِمْرَارَهَا ( فِيهَا ) : أَيْ فِي تِلْكَ الْفِتَنِ . ( وَيُصْبِحُ كَافِرًا ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِصْبَاحِ وَالْإِمْسَاءِ تَقَلُّبُ النَّاسِ فِيهَا وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ ، لَا بِخُصُوصِ الزَّمَانَيْنِ ، فَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَرَدُّدِ أَحْوَالِهِمْ ، وَتَذَبْذُبِ أَقْوَالِهِمْ ، وَتَنَوُّعِ أَفْعَالِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَنَقْضٍ وَأَمَانَةٍ وَخِيَانَةٍ وَمَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ وَسُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ ( الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، وَالْمَاشِي فِيهِ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ) : أَيْ كُلَّمَا بَعُدَ الشَّخْصُ عَنْهَا وَعَنْ أَهْلِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ قُرْبِهَا وَاخْتِلَاطِ أَهْلِهَا ؛ لِمَا سَيَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِهَا ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ ( فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ ) : بِكِسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ الْقَوْسِ ، وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْكَسْرِ إِلَى التَّكْسِيرِ مُبَالَغَةٌ ؛ لِأَنَّ بَابَ التَّفْعِيلِ لِلتَّكْثِيرِ ( وَقَطِّعُوا ) : مِنَ التَّقْطِيعِ ( أَوْتَارَكُمْ ) : جَمْعُ وَتَرٍ بِفَتْحَتَيْنِ .
قَالَ الْقَارِيُّ : فِيهِ زِيَادَةٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ ، إِذْ لَا مَنْفَعَةَ لِوُجُودِ الْأَوْتَارِ مَعَ كَسْرِ الْقِسِيِّ ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْغَيْرُ ( وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ ) : أَيْ حَتَّى تَنْكَسِرَ ، أَوْ حَتَّى تَذْهَبَ حِدَّتُهَا ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْأَرْمَاحُ وَسَائِرُ السِّلَاحِ ( فَإِنْ دُخِلَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَنَائِبِ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ ( عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ ( فَلْيَكُنْ ) : أَيْ ذَلِكَ الْأَحَدُ ( كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ ) : أَيْ فَلْيَسْتَسْلِمْ حَتَّى يَكُونَ قَتِيلًا كَهَابِيلَ وَلَا يَكُونَ قَاتِلًا كَقَابِيلَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ هَذَا تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ .