بَاب قِيَامِ السَّاعَةِ
حدثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، نا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، نا صَفْوَانُ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ قِيلَ لِسَعْدٍ : وَكَمْ نِصْفُ يَوْم ؟ قَالَ : خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ . آخر كتاب الملاحم ( إِنِّي لَأَرْجُو ) : أَيْ أُؤَمِّلُ ( أَنْ لَا تَعْجِزَ ) : بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَكَسْرِ الْجِيمِ مِنْ عَجَزَ عَنِ الشَّيْءِ عَجْزًا كَضَرَبَ ضَرْبًا ( أُمَّتِي ) أَيْ أَغْنِيَاؤُهَا عَنِ الصَّبْرِ عَلَى الْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ ( عِنْدَ رَبِّهَا ) : فِي الْمَوْقِفِ ( أَنْ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ ( يُؤَخِّرَهُمْ ) : أَيْ بِتَأْخِيرِهِمْ عَنْ لِحَاقِ فُقَرَاءِ أُمَّتِي السَّابِقِينَ إِلَى الْجَنَّةِ ( نِصْفَ يَوْمٍ ) : مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ ( قِيلَ لِسَعْدِ ) : بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ( وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَكَمْ نِصْفُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، ( قَالَ ) : سَعْدٌ ( خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ ) : إِنَّمَا فَسَّرَ الرَّاوِي نِصْفَ الْيَوْمِ بِخَمْسِمِائَةٍ نَظَرًا إِلَى قَوْلِهِ : تَعَالَى : وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ وَاعْلَمْ أَنَّهُ هَكَذَا شَرَحَ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَلْقَمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ، فَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَمْرِ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَقِيلَ الْمَعْنَى : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِأُمَّتِي عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةٌ يُمْهِلُهُمْ مِنْ زَمَانِي هَذَا إِلَى انْتِهَاءِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ .
وَقَدْ شَرَحَهُ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ فِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ هَكَذَا ( إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ، وَهُوَ مَفْعُولُ أَرْجُو أَيْ أَرْجُو عَدَمَ عَجْزِ أُمَّتِي ( عِنْدَ رَبِّهَا ) مِنْ كَمَالِ قُرْبِهَا ( أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ ) : يَوْمٌ بَدَلٌ مِنْ أَنْ لَا تَعْجِزَ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَلَكِ أَوْ مُتَعَلَّقٌ بِهِ بِحَذْفِ عَنْ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : وَعَدَمُ الْعَجْزِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقُرْبَةِ وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُقَرَّبِ عِنْدَ السُّلْطَانِ : إِنِّي لَا أَعْجِزُ أَنْ يُوَلِّينِي الْمَلِكُ كَذَا وَكَذَا ، يَعْنِي بِهِ أَنَّ لِي عِنْدَهُ مَكَانَةً وَقُرْبَةً يَحْصُلُ بِهَا كُلُّ مَا أَرْجُوهُ عِنْدَهُ ، فَالْمَعْنَى إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِأُمَّتِي عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةٌ وَمَنْزِلَةٌ يُمْهِلُهُمْ مِنْ زَمَانِي هَذَا إِلَى انْتِهَاءِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ; وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ أَيْضًا ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ فِي بَابِ قُرْبِ السَّاعَةِ ، وَاخْتَارَهُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَزَيَّفَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ ، وَاخْتَارَ الدَّاوُدِيُّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ ، وَرَدَّ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي .
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : تَمَسَّكَ الطَّبَرِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بَعْدَ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى نِصْفُ يَوْمٍ ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ ، قَالَ : وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَيَعُودُ الْأَمْرُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ غَيْرَ الْبَارِي وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ . وَرَدَّ عَلَيْهِ الدَّاوُدِيُّ ، قَالَ : وَقْتُ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَقَدْ مَضَتْ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ يَعْنِي : مِنْ عَدَدِكُمْ ، فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ كَأَلْفِ سَنَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ قَلِيلٌ ، وَأَنَّ مِقْدَارَهُ عَلَيْهِمْ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَإِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَنْ مَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، حَتَّى يَصِيرَ كَمِقْدَارِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ الْمَسْنُونَةِ . انْتَهَى مِنْ شَرْحِ السُّنَنِ لِابْنِ رَسْلَانَ .
قَالَ شَيْخُنَا : قَالَ السُّهَيْلِيُّ : لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ قَالَ : وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَا رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ إِنْ أَحْسَنَتْ أُمَّتِي فَبَقَاؤُهَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ ، وَذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ ، وَإِنْ أَسَاءَتْ فَنِصْفُ يَوْمٍ . وَقَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ : هَذَا التَّحْدِيدُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَا يَنْفِي مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا إِنْ صَحَّ رَفْعُ الْحَدِيثِ ، فَأَمَّا مَا يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُؤَلَّفُ تَحْتَ الْأَرْضِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ، وَلَا ذِكْرٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : قَدْ حَمَلَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ حَدِيثَ لَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي نِصْفِ يَوْمٍ عَلَى حَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَزَيَّفَهُ الطِّيبِيُّ فَأَصَابَ .
قَالَ : وَأَمَّا زِيَادَةُ جَعْفَرٍ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ كَذَّبَهُ الْأَئِمَّةُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسُقْ سَنَدَهُ بِذَلِكَ ، فَالْعَجَبُ مِنَ السُّهَيْلِيِّ كَيْفَ سَكَتَ عَنْهُ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِحَالِهِ ؟ انْتَهَى كَلَامُ الْعَلْقَمِيِّ . قُلْتُ : قَالَ الطِّيبِيُّ : عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَارِيُّ ، وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُهُمْ وَنَزَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَمْرِ الْقِيَامَةِ وَحَمَلَ الْيَوْمَ عَلَى يَوْمِ الْمَحْشَرِ ، فَهَبْ أَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا حَقَّقْنَاهُ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ ، فَهَلَّا انْتَبَهَ لِمَكَانِ الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ فِي أَيِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي بَابِ قُرْبِ السَّاعَةِ ، فَأَيْنَ هُوَ مِنْهُ . انْتَهَى .
قَالَ الْقَارِيُّ : وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِالْخَمْسِمِائَةٍ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْأَلْفِ السَّابِعِ ، فَإِنَّ الْيَوْمَ نَحْنُ فِي سَابِعِ سَنَةٍ مِنَ الْأَلْفِ الثَّامِنِ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى عَنِ الْخَمْسِمِائَةٍ ، فَيُوَافِقُ حَدِيثَ عُمُرُ : الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ ، فَالْكَسْرُ الزَّائِدُ يُلْغَى ، وَنِهَايَتُهُ إِلَى النِّصْفِ ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَيُعَدُّ أَلْفًا ثَامِنًا بِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ النَّاقِصِ . وَقِيلَ : أَرَادَ بَقَاءَ دِينِهِ وَنِظَامَ مِلَّتِهِ فِي الدُّنْيَا مُدَّةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، فَقَوْلُهُ : أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ ، أَيْ : عَنْ أَنْ يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ سَالِمِينَ عَنِ الْعُيُوبِ مِنَ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ وَالشَّدَائِدِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْكُرُوبِ .
انْتَهَى كَلَامُهُ . وَتَقَدَّمَ كَلَامَ الشَّيْخِ وَلِيِّ اللَّهِ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ : سَنَدُهُ جَيِّدٌ . آخِرُ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ