بَاب الْحُكْمِ فِيمَنْ ارْتَدَّ
أَحْرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَمْ أَكُنْ لِأُحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ : وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّ عَلِيًّا ) : هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ( أَحْرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ ) : وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِقَوْمٍ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ قَالَ بِزَنَادِقَةٍ وَمَعَهُمْ كُتُبٌ لَهُمْ ، فَأَمَرَ بِنَارٍ فَأُنْضِجَتْ وَرَمَاهُمْ فِيهَا ( فَبَلَغَ ذَلِكَ ) : أَيِ الْإِحْرَاقُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ حِينَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَهُ الْحَافِظُ ( وَكُنْتُ ) : عَطْفٌ عَلَى لَمْ أَكُنْ ( قَاتِلَهُمْ ) : أَيِ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ ( فَبَلَغَ ذَلِكَ ) : أَيْ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَقَالَ ) : أَيْ عَلِيٌّ رضي الله عنه ( وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزِيَادَةِ لَفْظِ أُمٍّ ، وَفِي نُسْخَةٍ : ابْنِ أُمِّ عَبَّاسٍ بِزِيَادَةِ لَفْظِ أُمٍّ بَيْنَ لَفْظِ ابْنٍ وَعَبَّاسٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ مِنَ الْكَاتِبِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : زَادَ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ فِي رِوَايَتِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا ، فَقَالَ : وَيْحَ أُمِّ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ بِحَذْفِ أُمٍّ ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ ، وَرَأَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى تَفْسِيرِ وَيْحَ بِأَنَّهَا كَلِمَةُ رَحْمَةٍ فَتَوَجَّعَ لَهُ ، لِكَوْنِهِ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَاعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا ، فَأَنْكَرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهَا رِضًا بِمَا قَالَ ، وَأَنَّهُ حَفِظَ مَا نَسِيَهُ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِ وَيْحَ إِنَّهَا تُقَالُ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالتَّعَجُّبِ ، كَمَا حَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْخَلِيلِ : هِيَ فِي مَوْضِعِ رَأْفَةٍ وَاسْتِمْلَاحٍ كَقَوْلِكَ لِلصَّبِيِّ : وَيْحَهُ مَا أَحْسَنَهُ .
انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِيُّ : وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَرَدَ مَوْرِدَ الْمَدْحِ وَالْإِعْجَابِ بِقَوْلِهِ ، وَيَنْصُرُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا ، فَقَالَ : صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَفْظُهُ لَفْظُ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ ، وَمَعْنَاهُ الْمَدْحُ لَهُ وَالْإِعْجَابُ بِقَوْلِهِ ، وَهَذَا كَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَبِي بَصِيرٍ وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ .
انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ كَالْمُرْتَدِّ ، وَخَصَّهُ الْحَنَفِيَّةُ بِالذَّكَرِ ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ النَّهْيَ عَلَى الْكَافِرَةِ الْأَصْلِيَّةِ إِذَا لَمْ تُبَاشِرِ الْقِتَالَ وَلَا الْقَتْلَ ؛ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ لَمَّا رَأَى الْمَرْأَةَ مَقْتُولَةً : مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ : أَيُّمَا رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهُ ، فَإِنْ عَادَ ، وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهَا ، فَإِنْ عَادَتْ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهَا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا .