بَاب الْحُكْمِ فِيمَنْ ارْتَدَّ
حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) : هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( دَمُ رَجُلٍ ) : أَيْ إِرَاقَتُهُ ، وَالْمُرَادُ بِرَجُلٍ الْإِنْسَانُ ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ شَامِلٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسْوَانِ ( مُسْلِمٌ ) : هُوَ صِفَةٌ مُقَيِّدَةٌ لِرَجُلٍ ( يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : الظَّاهِرُ أَنْ يَشْهَدُ حَالٌ جِيءَ بِهَا مُقَيِّدَةً لِلْمَوْصُوفِ مَعَ صِفَتِهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ هُمَا الْعُمْدَةُ فِي حَقْنِ الدَّمِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ( إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ) : أَيْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ ( الثَّيِّبُ الزَّانِي ) : أَيْ زِنَا الثَّيِّبِ الزَّانِي ، وَالْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ الْمُحْصَنُ ، وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الَّذِي أَصَابَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، ثُمَّ زَنَى فَإِنَّ لِلْإِمَامِ رَجْمَهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ إِثْبَاتُ قَتْلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ ، وَالْمُرَادُ رَجْمُهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ( وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ ) : أَيْ قَتْلُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِهِ الْقِصَاصُ بِشَرْطِهِ ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِمْ : يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ ، وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ .
انْتَهَى ( التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ) : أَيِ الَّذِي تَرَكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَرَجَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ ، وَانْفَرَدَ عَنْ أَمْرِهِمْ بِالرِّدَّةِ ، فَقَوْلُهُ : الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّارِكِ لِدِينِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُرْتَدٍّ عَنِ الْإِسْلَامِ بِأَيِّ رِدَّةٍ كَانَتْ ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا كُلَّ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِبِدْعَةٍ أَوْ بَغْيٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَكَذَا الْخَوَارِجُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا عَامٌّ يُخَصُّ مِنْهُ الصَّائِلُ وَنَحْوُهُ ، فَيُبَاحُ قَتْلُهُ فِي الدَّفْعِ . وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ تَعَمُّدُ قَتْلِهِ قَصْدًا إِلَّا فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِر : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .