بَاب مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ
بَابُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ بَاب مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ : أَيْ بَابُ بَيَانِ الْقَدْرِ الَّذِي يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ . وَاعْلَمْ أَنَّ إِيجَابَ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ نِصَابُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اشْتِرَاطِهِ ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَنَحْوِهَا ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ، بَلْ يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ؛ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الْآيَةَ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ مُطْلَقٌ فِي جِنْسِ الْمَسْرُوقِ وَقَدْرِهِ ، وَالْحَدِيثُ بَيَانٌ لَهَا ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا يَثْبُتُ مِنْهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّصَابِ الْبَتَّةَ .
وَالْحَقُّ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ اشْتِرَاطِهِمْ لَهُ عَلَى أَقْوَالٍ بَلَغَتْ إِلَى عِشْرِينَ قَوْلًا ، وَالَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي تُقْطَعُ بِهِ رُبْعُ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ ، وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالرَّاجِحُ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، هَذَا تَلْخِيصُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ السُّبُلِ . قُلْتُ : وَقَدْ بَيَّنَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ جَمِيعَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي قَدْرِ النِّصَابِ بِالتَّفْصِيلِ مَنْ أَرَادَ الِاطِّلَاعَ فليراجع إِلَيْهِ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَقَدْرِهِ ؛ فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا يُشْتَرَطُ نِصَابٌ ، بَلْ يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ : لَا تُقْطَعُ إِلَّا فِي نِصَابٍ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ النِّصَابِ ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : النِّصَابُ رُبْعُ دِينَارٍ ذَهَبًا ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ، وَلَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ : تُقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ أَحَدُهُمَا ، وَلَا قَطْعَ فِي مَا دُونَ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا تُقْطَعُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرَّحَ بِبَيَانِ النِّصَابِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ؛ أَيْ أَحَادِيثِ مُسْلِمٍ مِنْ لَفْظِهِ وَأَنَّهُ رُبْعُ دِينَارٍ ، وَأَمَّا بَاقِي التَّقْدِيرَاتِ فَمَرْدُودَةٌ ، لَا أَصْلَ لَهَا ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةٍ جَاءَتْ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ ، لَا يُعْمَلُ بِهَا لَوِ انْفَرَدَتْ ، فَكَيْفَ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي التَّقْدِيرِ بِرُبْعِ دِينَارٍ ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ اتِّفَاقًا ، لَا أَنَّهُ شُرِطَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ السَّارِقِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا .