بَاب فِي الرَّجْمِ
بَابٌ فِي الرَّجْمِ بَاب فِي الرَّجْمِ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَ إِذَا زَنَى عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ ، وَدَفَعَ ذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الرَّجْمَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ لَقِيَهُمْ وَهُمْ مِنْ بَقَايَا الْخَوَارِجِ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ : أَيِ الزِّنَا مِنْ نِسَائِكُمْ : هُنَّ الْمُسْلِمَاتُ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً : خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ أَوْ لِلْحُكَّامِ مِنْكُمْ : أَيْ رِجَالِكُمُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ شَهِدُوا : يَعْنِي الشُّهُودَ بِالزِّنَا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ : أَيِ احْبِسُوهُنَّ فِيهَا وَامْنَعُوهُنَّ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِنَّمَا تَقَعُ فِي الزِّنَا عِنْدَ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ إِلَى الرِّجَالِ ، فَإِذَا حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الزِّنَا . قَالَ فِي فَتْحِ الْبَيَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا فَجَرَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ فَإِنْ مَاتَتْ مَاتَتْ وَإِنْ عَاشَتْ عَاشَتْ ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النُّورِ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا جُلِدَ وَأُرْسِلَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ ، انْتَهَى .
حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ : أَيْ مَلَائِكَتُهُ ( أَوْ ) : إِلَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا : طَرِيقًا إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا . قَالَ السُّيُوطِيُّ : أُمِرُوا بِذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا بِجَلْدِ الْبِكْرِ مِائَةً وَتَغْرِيبِهَا عَامًا وَرَجْمِ الْمُحْصَنَةِ . وَفِي الْحَدِيثِ لَمَّا بَيَّنَ الْحَدَّ قَالَ : خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى .
وَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَالَ الْخَازِنُ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَاسِخِهَا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ نَاسِخَهَا هُوَ حَدِيثُ عُبَادَةَ يَعْنِي خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي الْحَدِيثَ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْحَدِّ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ ، وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالْحَدِيثِ وَالْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْجَلْدِ .
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا يَدُلُّ عَلَى إِمْسَاكِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ مَمْدُودًا إِلَى غَايَةِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَأَنَّ ذَلِكَ السَّبِيلَ كَانَ مُجْمَلًا ، فَلَمَّا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْحَدِيثَ . صَارَ هَذَا الْحَدِيثُ بَيَانًا لِتِلْكَ الْآيَةِ الْمُجْمَلَةِ لَا نَاسِخًا لَهَا انْتَهَى . وَبَقِيَّةُ الْآيَةِ مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا : أَيِ الْفَاحِشَةَ الزِّنَا أَوِ اللِّوَاطَ مِنْكُمْ : أَيِ الرِّجَالِ فَآذُوهُمَا : بِالسَّبِّ وَالضَّرْبِ بِالنِّعَالِ فَإِنْ تَابَا : مِنْهَا وَأَصْلَحَا : الْعَمَلَ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا : وَلَا تُؤْذُوهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا : عَلَى مَنْ تَابَ رَحِيمًا بِهِ .
قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِالْحَدِّ إِنْ أُرِيدَ بِهَا الزِّنَا وَكَذَا إِنْ أُرِيدَ اللِّوَاطُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ؛ لَكِنَّ الْمَفْعُولَ بِهِ لَا يُرْجَمُ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا بَلْ يُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ ، وَإِرَادَةُ اللِّوَاطِ أَظْهَرُ بِدَلِيلِ تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ ، وَالْأَوَّلُ أَرَادَ الزَّانِيَ وَالزَّانِيَةَ ، وَيَرُدُّهُ تَبْيِينُهُمَا بِمِنَ الْمُتَّصِلَةِ بِضَمِيرِ الرِّجَالِ وَاشْتِرَاكُهُمَا فِي الْأَذَى وَالتَّوْبَةِ وَالْإِعْرَاضِ وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي النِّسَاءِ مِنَ الْحَبْسِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْجَمَلُ : قَوْلُهُ وَاشْتِرَاكُهُمَا فِي الْأَذَى إِلَخْ نُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي ذَلِكَ لَا يَخُصُّ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ ، وَبِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِضَمِيرِ الرِّجَالِ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ النِّسَاءِ فِي الْخِطَابِ كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ ، انْتَهَى حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾وَذَكَرَ الرَّجُلَ بَعْدَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ جَمَعَهُمَا فَقَالَ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا فَنَسَخ ذَلِكَ بِآيَةِ الْجَلْدِ ، فَقَالَ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ( وَذَكَرَ ) : أَيِ اللَّهُ تَعَالَى ( الرَّجُلَ بَعْدَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ جَمَعَهُمَا ) : أَيْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَوَّلًا الْمَرْأَةَ حَيْثُ قَالَ : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَكِنْ لَا وَحْدَهُ بَلْ جَمَعَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، حَيْثُ قَالَ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا أَيِ الرَّجُلُ الزَّانِي وَالْمَرْأَةُ الزَّانِيَةُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الزِّنَا لَا اللِّوَاطُ ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( فَنَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْجَلْدِ ) : أَيِ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ .