بَاب فِي رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ
بَابٌ فِي رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مِالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ جاءوا إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الزِّنَا ؟ قَالُوا : نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ ، فَنَشَرُوهَا فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ ، فَرَفَعَهَا فَإِذَا فِيه آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ . فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ .
باب في رجم اليهوديين ( إِنَّ الْيَهُودَ ) ؛ أَيْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ ( جَاءُوا ) فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ ؛ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . ( أَنَّ رَجُلًا ) لَمْ يُسَمَّ ، وَفُتِحَتْ أَنَّ لِسَدِّهَا مَسَدَّ الْمَفْعُولِ . ( مِنْهُمْ ) ؛ أَيِ الْيَهُودِ ( وَامْرَأَةً ) ؛ أَيْ مِنْهُمْ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ : زَنَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ .
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : إِنَّ اسْمَ الْمَرْأَةِ بُسْرَةُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ . ( زَنَيَا ) ؛ أَيْ وَكَانَا مُحْصَنَيْنِ ( مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الزِّنَا ؟ ) اسْتِفْهَامٌ ؛ أَيْ : أَيُّ شَيْءٍ تَجِدُونَهُ مَذْكُورًا ؟ قَالَ الْبَاجِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّ حُكْمَ الرَّجْمِ فِيهَا ثَابِتٌ عَلَى مَا شُرِعَ لَمْ يَلْحَقْهُ تَبْدِيلٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهٍ حَصَلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ نَقْلِهِمْ . ( قَالُوا : نَفْضَحُهُمْ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ مِنَ الْفَضِيحَةِ ، وَوَقَعَ تَفْسِيرُ الْفَضِيحَةِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ : يُحَمَّمُ وَيُجَبَّهُ ، وَيَأْتِي هُنَاكَ تَفْسِيرُ التَّجْبِيهِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ : فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فِي التَّوْحِيدِ أَيْ مِنَ الْبُخَارِيِّ ، قَالُوا : نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهُمَا . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : قَالُوا نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّمُهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا . ( وَيُجْلَدُونَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، قَالَ الطِّيِبِيُّ : أَيْ لَا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ حُكْمَ الرَّجْمِ بَلْ نَجِدُ أَنْ نَفْضَحَهُمْ وَيُجْلَدُونَ .
وَإِنَّمَا أَتَى أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ مَجْهُولًا وَالْآخَرُ مَعْرُوفًا لِيُشْعِرَ أَنَّ الْفَضِيحَةَ مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِمْ وَإِلَى اجْتِهَادِهِمْ إِنْ شَاءُوا سَخَّمُوا وَجْهَ الزَّانِي بِالْفَحْمِ أَوْ عَزَّرُوهُ ، وَالْجَلْدُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ؛ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ يَهُودَ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ ( إِنَّ فِيهَا ) ؛ أَيْ فِي التَّوْرَاةِ ( فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي ؛ أَيْ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبْتُمْ ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ ، فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ . فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ ( فَنَشَرُوهَا ) ؛ أَيْ فَتَحُوهَا وَبَسَطُوهَا ( فَجَعَلَ ) ؛ أَيْ وَضَعَ ( أَحَدُهُمْ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا ( يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا ) ؛ أَيْ مَا قَبْلَ آيَةِ الرَّجْمِ ، ( فَقَالُوا ) ؛ أَيِ الْيَهُودُ ( صَدَقَ ) ؛ أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، ( فَأَمَرَ بِهِمَا ) ؛ أَيْ بِرَجْمِهِمَا ( فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ ؛ أَيْ يَعْطِفُ عَلَيْهَا ، وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ فَيَكُونُ يَحْنِي فِي مَوْضِعِ الْحَالِ .
( يَقِيهَا الْحِجَارَةَ ) قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ بَدَلًا مِنْ يَحْنِي أَوْ حَالًا أُخْرَى ، وَ الْ فِي الْحِجَارَةِ لِلْعَهْدِ ؛ أَيْ حِجَارَةَ الرَّمْيِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَحْنِي ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَسْتُرُهَا ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَجْنَأْ بِجِيمٍ بَدَلَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّهُ الرَّاجِحُ فِي الرِّوَايَةِ ؛ أَيْ : أَكَبَّ عَلَيْهَا .
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ وَإِلَّا لَمْ يَرْجُمِ الْيَهُودِيَّيْنِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَمُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ : شَرْطُ الْإِحْصَانِ الْإِسْلَامُ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ ، فَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ عَلَى الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَفِي قَوْلِهِمْ وَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ لَمْ يُحْصِنْ نَظَرٌ لِمَا وَقَعَ بَيَانُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ آيَةِ الرَّجْمِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُهُ : الْمُحْصَنُ وَالْمُحْصَنَةُ إِذَا زَنَيَا فَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ رُجِمَا ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُبْلَى تُرُبِّصَ بِهَا حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ ؛ كَذَا فِي إِرْشَادِ السَّارِي وَالْفَتْحِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .