باب فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ
بَابٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ اشْتَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى أُضْنِيَ ، فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ ، فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ ، وَقَالَ : اسْتَفْتُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنِّي قَدْ وَقَعْتُ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالُوا : مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِي هُوَ بِهِ ، لَوْ حَمَلْنَا إِلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ ، مَا هُوَ إِلَّا جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً باب في إقامة الحد على المريض ( اشْتَكَى رَجُلٌ ) ؛ أَيْ مَرِضَ ( حَتَّى أُضْنِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ أَصَابَهُ الضَّنَا وَهُوَ شِدَّةُ الْمَرَضِ وَسُوءُ الْحَالِ حَتَّى يَنْحَلَ بَدَنُهُ وَيَهْزُلَ ، وَيُقَالُ : إِنَّ الضَّنَا انْتِكَاسُ الْعِلَّةِ ، انْتَهَى . وَفِي الْقَامُوسِ : ضَنِيَ - كَرَضِيَ - ضَنًى مَرِضَ مَرَضًا مُخَامرًا كُلَّمَا ظُنَّ بُرْأَهُ نُكِسَ وَأَضْنَاهُ الْمَرَضُ . ( فَعَادَ ) ؛ أَيْ صَارَ ( جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ ) ؛ أَيْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ اللَّحْمِ بَلْ بَقِيَ عَظْمٌ عَلَيْهِ جِلْدَةٌ ( فَهَشَّ ) ؛ أَيِ ارْتَاحَ وَخَفَّ ( لَهَا ) ؛ أَيْ لِتِلْكَ الْجَارِيَةِ .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْهَشَاشَةُ وَالْهَشَاشُ الِارْتِيَاحُ وَالْخِفَّةُ وَالنَّشَاطُ وَالْفِعْلُ ، كَدَبَّ وَمَلَّ ، انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ هَشَّ لِهَذَا الْأَمْرِ يَهَشُّ هَشَاشَةً إِذَا فَرِحَ بِهِ وَاسْتَسَرَّ وَارْتَاحَ لَهُ وَخَفَّ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ : هَشَشْتُ يَوْمًا فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ . انْتَهَى .
( فَوَقَعَ عَلَيْهَا ) ؛ أَيْ جَامَعَهَا . ( يَعُودُونَهُ ) مِنَ الْعِيَادَةِ ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ . ( أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ ) ؛ أَيْ وُقُوعِهِ عَلَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ وَالْجِمَاعِ بِهَا .
( مِنَ الضُّرِّ ) ؛ أَيِ الْمَرَضِ ( مِثْلَ الَّذِي هُوَ ) ؛ أَيِ الضُّرِّ ( بِهِ ) ؛ أَيْ بِذَلِكَ الرَّجُلِ الْمَرِيضِ الْوَاقِعِ عَلَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ . ( لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ ) ؛ أَيْ تَكَسَّرَتْ وَتَفَرَّقَتْ . ( أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ شَرْحِ السُّنَّةِ عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ : خُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ .
قَالَ الطِّيِبِيُّ : الْعِثْكَالُ الْغُصْنُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَغْصَانٌ صِغَارٌ ، وَيُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَغْصَانِ شِمْرَاخًا ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْعِثْكَالُ الْعِذْقُ ، وَكُلُّ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهِ شِمْرَاخٌ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْبُسْرُ . ( فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ) عَطْفٌ عَلَى يَأْخُذُوا ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : فَيَضْرِبُونَهَا ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِمِائَةِ شِمْرَاخٍ .
( ضَرْبَةً وَاحِدَةً ) ؛ أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا لَمْ يَحْتَمِلِ الْجَلْدَ ضُرِبَ بِعِثْكَالٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ أَوْ مَا يُشَابِهُهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ تُبَاشِرَهُ جَمِيعُ الشَّمَارِيخُ ، وَقِيلَ : يَكْفِي الِاعْتِمَادُ ، وَهَذَا الْعَمَلُ مِنَ الْحِيَلِ الْجَائِزَةِ شَرْعًا ، وَقَدْ جَوَّزَ اللَّهُ مِثْلَهُ فِي قَوْلِهِ : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا الْآيَةَ ؛ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : وَإِذَا زَنَى الْمَرِيضُ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ بِأَنْ كَانَ مُحْصَنًا حُدَّ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ قَتْلُهُ وَرَجْمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ لَا يُجْلَدُ حَتَّى يَبْرَأَ لِأَنَّ جَلْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالسُّلِّ أَوْ كَانَ خِدَاجًا ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَيُضْرَبُ بِهِ دَفْعَةً ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُصُولِ كُلِّ شِمْرَاخٍ إِلَى بَدَنِهِ ، وَلِذَا قِيلَ : لَا بُدَّ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ مَبْسُوطَةً ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَادَةَ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .