باب فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ
حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَنَا إِسْرَائِيلُ ، نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : فَجَرَتْ جَارِيَةٌ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، انْطَلِقْ فَأَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا بِهَا دَمٌ يَسِيلُ لَمْ يَنْقَطِعْ ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، أَفَرَغْتَ ؟ فقُلْتُ : أَتَيْتُهَا وَدَمُهَا يَسِيلُ ، فَقَالَ : دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى فَقَالَ فِيهِ : قَالَ : لَا تَضْرِبْهَا حَتَّى تَضَعَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . ( عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : اسْمُهُ مَيْسَرَةُ الطُّهَوِيُّ الْكُوفِيُّ . ( فَجَرَتْ ) ؛ أَيْ زَنَتْ ( جَارِيَةٌ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أَمَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَنَتْ .
( فَإِذَا ) هِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ ( دَمٌ ) ؛ أَيْ دَمُ النِّفَاسِ ( يَسِيلُ ) ؛ أَيْ يَجْرِي ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَإِذَا هِيَ حَدِيث عَهْدٍ بِنِفَاسٍ . ( أَفَرَغْتَ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ؛ أَيْ أَفْرَغْتَ عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا ، ( دَعْهَا ) ؛ أَيِ اتْرُكْهَا ( حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا ) ؛ أَيْ دَمُ نِفَاسِهَا ( ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يُمْهَلُ حَتَّى يَبْرَأَ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ ، وَالْجَمْعُ أَنَّ مَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ يُمْهَلُ وَمَنْ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَا يُؤَخَّرُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهِ ، وَتَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَاللَّفْظِ الثَّانِي ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَامِرٍ الثَّعْلَبِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَهُوَ كُوفِيٌّ . وَأَبُو الْأَحْوَصِ هُوَ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحَنَفِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ، وَالثَّعْلَبِيُّ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ صَادٌ مُهْمَلَةٌ ، وَأَبُو جَمِيلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ تَاءُ تَأْنِيثٍ .
وَالطُّهَوِيُّ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مَنْسُوبٌ إِلَى طُهَيَّةَ بِنْتِ عَبسمس بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ ، وَفِي النِّسْبَةِ إِلَى طُهَيَّةَ لُغَاتٌ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مَعًا ، وَالثَّالِثَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ، وَالرَّابِعَةُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ، وَعَبسمس هَذَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُهَا . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ : خَطَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ ، مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ ؛ فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَنَتْ فَأَمَرَ بِي أَنْ أَجْلِدَهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَحْسَنْتَ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ .
وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .