بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْنَا ، وَقُلْنَا : أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ وَعَائِدِينَ وَمُقْتَبِسِينَ ، فَقَالَ الْعِرْبَاضُ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ فَقَالَ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ( وَهُوَ ) : أَيِ الْعِرْبَاضُ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ : أَيْ مَعَكَ إِلَى الْغَزْوِ ، وَالْمَعْنَى : لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ : حَالٌ مِنَ الْكَافِ فِي أَتَوْكِ بِتَقْدِيرِ قَدْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّهُ قِيلَ : مَا بَالُهُمْ تولوا . قُلْتَ : لَا أَجِدُ ، وَتَمَامُ الْآيَةِ : تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ وَقَوْلُهُ : تَوَلَّوْا : جَوَابُ إِذَا وَمَعْنَاهُ انْصَرَفُوا ( فَسَلَّمْنَا ) : أَيْ عَلَى الْعِرْبَاضِ ( زَائِرِينَ ) : مِنَ الزِّيَارَةِ ( وَعَائِدِينَ ) : مِنَ الْعِيَادَةِ ( وَمُقْتَبِسِينَ ) : أَيْ مُحَصِّلِينَ الْعِلْمَ مِنْكَ ( ذَرَفَتْ ) : أَيْ دَمَعَتْ ( وَوَجِلَتْ ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ خَافَتْ ( كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ) : بِالْإِضَافَةِ ، فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ بِكَسْرِ الدَّالِ عِنْدَ الْوَدَاعِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا يُهِمُّ الْمُوَدَّعَ بِفَتْحِ الدَّالِ ، أَيْ كَأَنَّكَ تُوَدِّعُنَا بِهَا لَمَّا رَأَى مِنْ مُبَالَغَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوْعِظَةِ ( فَمَاذَا تَعْهَدُ ) : أَيْ تُوصِي ( وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا ) : أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُطَاعُ عَبْدًا حَبَشِيًّا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِهِ طَاعَةَ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَقَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الشَّيْءِ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فِي الْوُجُودِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ، وَقَدْرُ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا لِشَخْصٍ آدَمِي ، وَنَظَائِرُ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرٌ ( وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ) : جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، قِيلَ : هُوَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ ، وَقِيلَ : هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَيْضًا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْمَضَضِ فِي ذَاتِ اللَّهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَأَلِّمُ بِالْوَجَعِ يُصِيبُهُ ( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ إِلَخْ ) : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ : فِيهِ تَحْذِيرٌ لِلْأُمَّةِ مِنَ اتِّبَاعِ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لُغَةً ، فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ ، وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنَ اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْبِدَعِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي التَّرَاوِيحِ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَةً فَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ وَمِنْ ذَلِكَ أَذَانُ الْجُمُعَةِ الْأَوَّلِ زَادَهُ عُثْمَانُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ بِدْعَةٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَ أَبُوهُ فِي التَّرَاوِيحِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ حُجْرِ بْنِ حُجْرٍ ، غَيْرَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ تَعْلِيقًا . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَالْخُلَفَاءُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَخَصَّ اثْنَيْنِ وَقَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ ، فَخَصَّهُ ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ قَوْلًا وَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى .
وَالْمُحْدَثُ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُحْدَثٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إِلَّا الشُّهْرَةُ وَالْعَمَلُ بِالْإِرَادَةِ فَهَذَا بَاطِلٌ ، وَمَا كَانَ عَلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ أَوْ مَرْدُودٍ إِلَيْهَا فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَلَا ضَلَالَةٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .