بَاب فِي الْقَدَرِ
حدثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ ، نا شُعْبَةُ ، ح ، ونا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَنَا سُفْيَانُ الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَالْإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : نا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حدثنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُبْعَثُ الله إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ، فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ ، وَأَجَلُهُ ، وَعَمَلُهُ ، ثُمَّ يُكْتَبُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قِيدُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قِيدُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ( الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَالْإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ ) : الْإِخْبَارُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ حَدِيثَ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْمَتْنِ ، وَأَمَّا مَعْنَاهُمَا فَوَاحِدٌ ، وَأَمَّا فِي السَّنَدِ فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ يَسِيرٌ ، وَهُوَ أَنَّ سُفْيَانَ يَرْوِي بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ دُونَ الْعَنْعَنَةِ ، كَمَا قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَشُعْبَةُ لَمْ يَرْوِ بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ بَلْ بِالْعَنْعَنَةِ ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ لَكِنَّ هَذَا فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ فَقَطْ . وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ غَيْرِ حَفْصٍ كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَرَوَاهُ شُعْبَةُ أَيْضًا بِالْإِخْبَارِ ، وَقِيلَ فِي مَعْنَى هَذَا : الْمُرَادُ بِالْإِخْبَارِ الْأَلْفَاظُ ، أَيْ : مَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ وَحَدِيثِ سُفْيَانَ وَاحِدٌ ، وَأَمَّا أَلْفَاظُهُمَا فَمُخْتَلِفَةٌ ، وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تذكر هِيَ أَلْفَاظُ حَدِيثِ سُفْيَانَ لَا أَلْفَاظُ حَدِيثِ شُعْبَةَ .
( وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اعْتِرَاضِيَّةً وَهُوَ أَوْلَى لِتَعُمَّ الْأَحْوَالَ كُلَّهَا . وَالصَّادِقُ مَعْنَاهُ الْمُخْبِرُ بِالْقَوْلِ الْحَقِّ وَيُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ ، يُقَالُ : صَدَقَ الْقِتَالَ ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ ، وَالْمَصْدُوقُ مَعْنَاهُ الَّذِي يَصْدُقُ لَهُ فِي الْقَوْلِ ، يُقَالُ : صَدَقْتُهُ الْحَدِيثَ إِذَا أَخْبَرْتُهُ بِهِ إِخْبَارًا جَازِمًا ، أَوْ مَعْنَاهُ صَدَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعْدَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . ( أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ ) : أَيْ مَادَّةُ خَلْقِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ أَحَدُكُمْ .
( يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ) : أَيْ يُقَرَّرُ وَيُحْرَزُ فِي رَحِمِهَا . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجَمْعِ مُكْثَ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ . ( ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً ) : أَيْ دَمًا غَلِيظًا جَامِدًا .
( مِثْلَ ذَلِكَ ) : أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعْنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا . ( ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً ) : أَيْ قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ . ( ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى خَلْقِ أَحَدِكُمْ ، أَوْ إِلَى أَحَدِكُمْ يَعْنِي فِي الطَّوْرِ الرَّابِعِ حِينَمَا يَتَكَامَلُ بُنْيَانُهُ وَيَتَشَكَّلُ أَعْضَاؤُهُ .
( بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ) : أَيْ بِكِتَابَتِهَا . ( فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ ) : الْمُرَادُ بِكِتَابَةِ الرِّزْقِ تَقْدِيرُهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ، وَصِفَتُهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا ، وَبِالْأَجَلِ هَلْ هُوَ طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ ، وَبِالْعَمَلِ هُوَ صَالِحٌ أَوْ فَاسِدٌ . ( ثُمَّ يُكْتَبُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ) : أَيْ : هُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ إِمَّا السَّعَادَةُ ، وَإِمَّا الشَّقَاوَةُ ، وَلَا يَكْتُبُهُمَا لِوَاحِدٍ مَعًا ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى أَرْبَعٍ .
قَالَ الطِّيبِيُّ : كَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ : وَشَقَاوَتُهُ وَسَعَادَتُهُ ، لِيُوَافِقَ مَا قَبْلَهُ ، فَعَدَلَ عَنْهُ حِكَايَةً لِصُورَةِ مَا يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ ، كَذَا فِي مَبَارِقِ الْأَزْهَارِ . ( حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ) : أَيْ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ . ( إِلَّا ذِرَاعٌ ) : تَمْثِيلٌ لِغَايَةِ قُرْبِهَا .
( أَوْ قِيدُ ذِرَاعٍ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ قَدْرُهَا . ( فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ) : أَيْ كِتَابُ الشَّقَاوَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
قِيدُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ ، أَيْ قَدْرُ ، وَكَذَلِكَ قَادَ ، وَقِدَى بِكَسْرِ الْقَافِ وَقِدَةُ وَقِيسُ وَقَابُ .