بَاب فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شاهد أَخْبَرَكَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو ، قال : أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ مَالِكٌ : احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ . قَالُوا : أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ، قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ( إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ ) : الْمُرَادُ بِهِمْ هَاهُنَا الْقَدَرِيَّةُ . ( قَالَ مَالِكٌ : احْتَجَّ ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الِاحْتِجَاجِ .
( عَلَيْهِمْ ) : أَيْ عَلَى أَهْلِ الْهْوَاءِ . ( بِآخِرِهِ ) : أَيْ بِآخِرِ الْحَدِيثِ . ( قَالُوا : أَرَأَيْتَ إِلَخْ ) : هَذَا بَيَانٌ لِآخِرِ الْحَدِيثِ .
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : سَبَبُ اخْتَلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّهِ بَلْ مِمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ إِحْدَاثَهُ ، فَحَاوَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُخَالَفَتَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ ، وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ لَفْظِ الْفِطْرَةِ إِلَّا الْإِسْلَامَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَخْ ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .