بَاب فِي التَّجَاوُزِ فِي الْأَمْرِ
بَابٌ فِي التَّجَاوُزِ فِي الْأَمْرِ حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ ينْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا .
باب في التجاوز في الأمر ( مَا خُيِّرَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّخْيِيرِ ( إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَخْذِ بِالْأَيْسَرِ وَالْأَرْفَقِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا . قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَخْيِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاهُنَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيُخَيِّرَهُ فِيمَا فِيهِ عُقُوبَتَانِ ، أَوْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ مِنَ الْقِتَالِ ، وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ ، أَوْ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ فِي الْمُجَاهَدَةِ فِي الْعِبَادَةِ أَوِ الِاقْتِصَادِ ، وَكَانَ يَخْتَارُ الْأَيْسَرَ فِي كُلِّ هَذَا . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهَا : مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَيُتَصَوَّرُ إِذَا خَيَّرَهُ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّخْيِيرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ .
( فَإِنْ كَانَ ) : أَيْ أَيْسَرُ الْأَمْرَيْنِ ( إِثْمًا كَانَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنْ أَيْسَرِهِمَا الَّذِي يَكُونُ إِثْمًا ( إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ ) : انْتَهَاكُ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ارْتِكَابُ مَا حَرَّمَهُ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ ، أَيْ لَكِنْ إِذَا انْتُهِكَتْ حُرْمَةُ اللَّهِ انْتَصَرَ لِلَّهِ تَعَالَى وَانْتَقَمَ مِمَّنِ ارْتَكَبَ ذَلِكَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ .