بَاب فِي الْحَيَاءِ
حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَثَمَّ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ فَحَدَّثَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ أَوْ قَالَ : الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ : إِنَّا نَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا وَمِنْهُ ضَعْفًا . فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ ، فأَعَادَ بُشَيْرٌ الْكَلَامَ ، قَالَ : فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ ، وَقَالَ : أَلَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ كُتُبِكَ . قَالَ : قُلْنَا : يَا أَبَا نُجَيْدٍ ، إِيهٍ إِيهِ ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) : هُوَ تَمِيمُ بْنُ نُذَيْرٍ الْعَدَوِيُّ الْبَصْرِيُّ .
وَقِيلَ فِي اسْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَنُذَيْرٌ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ . ( وَثَمَّ ) : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ ظَرْفُ مَكَانٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ ( بُشَيْرُ ) بِالتَّصْغِيرِ تَابِعِيُّ جَلِيلٌ ( الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ ، أَوْ قَالَ : الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ ) : أَوْ لِلشَّكِّ .
قَالَ الْحَافِظُ : أَشْكَلَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصُدُّ صَاحِبَهُ عَنْ مُوَاجَهَةِ مَنْ يَرْتَكِبُ الْمُنْكَرَاتِ ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَكُونُ شَرْعِيًّا ، وَالْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْحُقُوقِ لَيْسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا ، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَيَاءٌ لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ ، وَهُوَ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ ، انْتَهَى . ( إنَّ مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ الْحَيَاءِ ، وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ ( سَكِينَةً وَوَقَارًا ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى كَلَامِ بُشَيْرٍ أَنَّ مِنَ الْحَيَاءِ مَا يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الْوَقَارِ بِأَنْ يُوَقِّرَ غَيْرَهُ وَيَتَوَقَّرَ هُوَ فِي نَفْسِهِ ، وَمِنْهُ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَتَحَرَّجُ النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِذِي الْمُرُوءَةِ ( وَمِنْهُ ضَعْفًا ) : بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ أَيْ كَالْحَيَاءِ الَّذِي يَمْنَعُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ ( فَغَضِبَ عِمْرَانُ ) : وَسَبَبُ غَضَبِهِ وَإِنْكَارِهِ عَلَى بُشَيْرٍ لِكَوْنِهِ قَالَ : وَمِنْهُ ضَعْفًا ، بَعْدَ سَمَاعِهِ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَيْرٌ كُلُّهُ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَاقَهُ فِي مَعْرِضِ مَنْ يُعَارِضُ كَلَامَ الرَّسُولِ بِكَلَامِ غَيْرِهِ .
( يَا أَبَا نُجَيْدٍ ) : بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ ، وَهُوَ كُنْيَةُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ( إِيهْ إِيهْ ) : قَالَ فِي الْقَامُوسِ : إِيهْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ زَجْرٌ بِمَعْنَى حَسْبُكَ ، وَإِيهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَسْرِ فَإِذَا وُصِلَتْ نُوِّنَتْ ، وَإِيهًا بِالنَّصْبِ وَالْفَتْحِ أَمْرٌ بِالسُّكُوتِ . وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ : يَا أَبَا نُجَيْدٍ حَسْبُكَ مَا صَدَرَ مِنْكَ مِنَ الْغَضَبِ وَالْإِنْكَارِ عَلَى بُشَيْرٍ ؛ فَإِنَّهُ مِنَّا وَلَا بَأْسَ بِهِ ، فَاسْكُتْ وَلَا تَزْدَدْ غَضَبًا وَإِنْكَارًا . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : إِنَّهُ إِنَّهُ أَيْ صَادِقٌ ، وَفِي بَعْضِهَا : إِنَّهُ إِنَّهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَيْسَ هُوَ مِمَّا يُتَّهَمُ بِنِفَاقٍ أَوْ زَنْدَقَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُخَالِفُ بِهِ أَهَلَ الِاسْتِقَامَةِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ .