بَاب فِي الْحَيَاءِ
حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصنع مَا شِئْتَ ( عَنْ رِبْعِيٍّ ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ( بن حِرَاشٍ ) : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ ( إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ ) أَيْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَالنَّاسُ يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالْعَائِدُ عَلَى مَا مَحْذُوفٌ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَالْعَائِدُ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ ، وَأَدْرَكَ بِمَعْنَى بَلَغَ ، وَإِذَا لَمْ تَسْتَحِ اسْمُ إِنَّ بِتَأْوِيلِ هَذَا الْقَوْلِ ( مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى ) : قَالَ الْعَزِيزِيُّ : أَيْ نُبُوَّةِ آدَمَ ، وَقَالَ الْقَارِيُّ : مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ . وَالْمَعْنَى إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَخْبَارِ أَصْحَابِ النُّبُوَّةِ السَّابِقَةِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاءَ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُ ثَابِتًا وَاسْتِعْمَالُهُ وَاجِبًا مُنْذُ زَمَانِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ نُدِبَ إِلَى الْحَيَاءِ وَبُعِثَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ فِيمَا نُسِخَ مِنْ شَرَائِعِهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ عُلِمَ صَوَابُهُ وَبَانَ فَضْلُهُ ، وَاتَّفَقَتِ الْعُقُولُ عَلَى حُسْنِهِ ، وَمَا كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ ( إِذَا لَمْ تَسْتَحِي ) : بِسُكُونِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ وَحَذْفِ الثَّانِيَةِ لِلْجَزْمِ ( فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ) : قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ أَقَاوِيلُ : أَحَدُهَا : أَنَّ مَعْنَاهُ الْخَبَرَ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْأَمْرِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : إِذَا لَمْ يَمْنَعْكَ الْحَيَاءُ فَعَلْتَ مَا شِئْتَ ، مِمَّا تَدْعُوكَ إِلَيْهِ نَفْسُكَ مِنَ الْقَبِيحِ ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ .
وَثَانِيهَا : أَنَّ مَعْنَاهُ الْوَعِيدُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ أَيِ اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَإِنَّ اللَّهَ يُجَازِيكَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ . وَثَالِثُهَا : مَعْنَاهُ يَنْبَغِي أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسْتَحْيَى مِنْهُ فَافْعَلْهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْتَحْيَى مِنْهُ فَدَعْهُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .