بَاب فِي قَتْلِ الذَّرِّ
حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ ( قَرَصَتْ ) أَيْ لَسَعَتْ وَلَدَغَتْ ( نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ) هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَمَا سَيَجِيءُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ ، وَقِيلَ : دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ ) أَيْ مَسْكَنِهَا وَمَنْزِلِهَا ، سُمِّيَ قَرْيَةٌ لِاجْتِمَاعِهَا فِيهِ ( نَمْلَةٌ ) أَيْ وَاحِدَةٌ ( أَهْلَكْتَ أُمَّةً ) أَيْ أَمَرْتَ بِإِهْلَاكِ طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ ( مِنَ الْأُمَمِ ) حَالَ كَوْنِهَا ( تُسَبِّحُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ ذَلِكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيهِ جَوَازُ قَتْلِ النَّمْلِ وَجَوَازُ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ . وَلَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ ؛ بَلْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى نَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّمِيرِيُّ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ : لَمْ يُعَاتِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيقِهَا ، وَإِنَّمَا عَاتَبَهُ عَلَى كَوْنِهِ أَخَذَ الْبَرِيءَ بِغَيْرِ الْبَرِيءِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا النَّبِيُّ هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ قَالَ : يَا رَبِّ ، تُعَذِّبُ أَهْلَ قَرْيَةٍ بِمَعَاصِيهِمْ وَفِيهِمُ الطَّائِعُ فَكَأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَحَبَّ أَنْ يُرِيَهُ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ فَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْحَرَّ حَتَّى الْتَجَأَ إِلَى شَجَرَةٍ مُسْتَرْوِحًا إِلَى ظِلِّهَا ، وَعِنْدَهَا قَرْيَةُ النَّمْلِ ، فَغَلَبَهُ النَّوْمُ ، فَلَمَّا وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ لَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ ، فَدَلَكَهُنَّ بِقَدَمِهِ ، فَأَهْلَكَهُنَّ وَأَحْرَقَ مَسْكَنَهُنَّ ، فَأَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ فِي ذَلِكَ عِبْرَةً لَمَّا لَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ كَيْفَ أُصِيبَ الْبَاقُونَ بِعُقُوبَتِهَا ، يُرِيدُ تَعَالَى أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعُمُّ الطَّائِعَ وَالْعَاصِيَ ، فَتَصِيرُ رَحْمَةً وَطَهَارَةً وَبَرَكَةً عَلَى الْمُطِيعِ وَسُوءًا وَنِقْمَةً وَعَذَابًا عَلَى الْعَاصِي . وَعَلَى هَذَا لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةٍ وَلَا حَظْرٍ فِي قَتْلِ النَّمْلِ فَإِنَّ مَنْ آذَاكَ حَلَّ لَكَ دَفْعُهَ عَنْ نَفْسِكَ ، وَلَا أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْمُؤْمِنِ ، وَقَدْ أُبِيحَ لَكَ دَفْعُهُ عَنْكَ بِضَرْبٍ أَوْ قَتْلٍ عَلَى مَا لَهُ مِنَ الْمِقْدَارِ ، فَكَيْفَ بِالْهَوَامِّ وَالدَّوَابِّ الَّتِي قَدْ سُخِّرَتْ لِلْمُؤْمِنِ وَسُلِّطَ عَلَيْهَا وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِ ، فَإِذَا آذَتْهُ أُبِيحَ لَهُ قَتْلُهَا . وَقَوْلُهُ : فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُؤْذِي يُقْتَلُ ، وَكُلُّ قَتْلٍ كَانَ لِنَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَمْ يَخُصَّ تِلْكَ النَّمْلَةَ الَّتِي لَدَغَتْهُ مِنْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقِصَاصَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ : فَهَلَّا نَمْلَتُكَ الَّتِي لَدَغَتْكَ ؛ وَلَكِنْ قَالَ : فَهَلَّا نَمْلَةٌ ، فَكَأَنَّ نَمْلَةً تَعُمُّ الْبَرِيءَ وَالْجَانِيَ ، وَذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ أَرَادَ تَنْبِيهَهُ لِمَسْأَلَةِ رَبِّهِ تَعَالَى فِي عَذَابِ أَهْلِ قَرْيَةٍ فِيهِمُ الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ فِي شَرْعِ هَذَا النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِلْحَيَوَانِ بِالتَّحْرِيقِ جَائِزَةً ؛ فَلِذَلِكَ إِنَّمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي إِحْرَاقِ الْكَثِيرِ لَا فِي أَصْلِ الْإِحْرَاقِ ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ : فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ بِخِلَافِ شَرْعِنَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ ، وَقَالَ : لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَا يَجُوزُ إِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ إِلَّا إِذَا أَحْرَقَ إِنْسَانًا فَمَاتَ بِالْإِحْرَاقِ ، فَلِوَارِثِهِ الِاقْتِصَاصُ بِالْإِحْرَاقِ لِلْجَانِي . انْتَهَى كَلَامُ الْعَلَّامَةِ الدَّمِيرِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .