بَاب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ
( بَاب مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ ) 92 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، نَا مَعْنٌ ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ حُمَيْدَةَ ابِنة عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ كَبْشَةَ ابنة كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا ، قَالَت : فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَتْ : فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ، قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابنة أَخِي ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ فقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ، أَوْ الطَّوَّافَاتِ ، ، ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، ولَمْ يَرَوْا بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ بَأْسًا ، وَهَذَا أَحَسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ أَتَمَّ مِنْ مَالِكٍ . باب ما جاء في سؤر الهرة قَوْلُهُ : ( نَا مَعْنٌ ) هُوَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى بْنِ يَحْيَى الْأَشْجَعِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ مَالِكٍ . ( عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ حُجَّةٌ مِنْ رِجَالِ السِّتَّةِ ، مَاتَ سَنَةَ 132 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ .
( عَنْ حُمَيْدَةَ ابْنَةِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ) الْأَنْصَارِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ زَوْجِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَهِيَ وَالِدَةُ وَلَدِهِ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ ، مَقْبُولَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، قُلْتُ : هِيَ مِنَ التَّابِعِيَّاتِ ، وَذَكَرَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ . ( عَنْ كَبْشَةَ ابْنَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ) زَوْجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ج١ / ص٩٥قَتَادَةَ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهَا صُحْبَةٌ . ( وَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ ) وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْمُ ابْنِهِ عَبْدُ اللَّهِ ، وَالْمَعْنَى كَانَتْ زَوْجَةَ وَلَدِهِ .
( أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى كَبْشَةَ ( قَالَتْ : فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا ) بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ ، وَالْوَضُوءُ بِفَتْحِ الْوَاوِ مَاءُ الْوُضُوءِ : أَيْ صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءًا فِي الْإِنَاءِ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهُ لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا فِي إِنَاءٍ ، قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ ، وَفِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى التَّكَلُّمِ وَيَجُوزُ السُّكُونُ عَلَى التَّأْنِيثِ . انْتَهَى . قَالَ الْقَارِّيُّ : لَكِنْ أَكْثَرُ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمُصَحَّحَةِ بِالتَّأْنِيثِ ، وَيُؤَيِّدُ الْمُتَكَلِّمَ مَا فِي الْمَصَابِيحِ قَالَتْ فَسَكَبْتُ .
انْتَهَى . ( فَأَصْغَى ) بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ : أَيْ أَمَالَ ( لَهَا ) : أَيْ للْهِرَّةِ الْإِنَاءَ لِيَسْهُلَ عَلَيْهَا الشُّرْبُ ، ( فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) : أَيْ فَرَآنِي أَبُو قَتَادَةَ وَالْحَالُ أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى شُرْبِ الْهِرَّةِ الْمَاءَ نَظَرَ الْمُنْكِرِ أَوْ الْمُتَعَجِّبِ . ( فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ ) : أَيْ بِشُرْبِهَا مِنْ وَضُوئِي ( يَا ابْنَةَ أَخِي ) الْمُرَادُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ يَدْعُوا بِيَا ابْنَ أَخِي ، وَيَا ابْنَ عَمِّي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخًا أَوْ عَمًّا لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ .
( إِنَّهَا ) : أَيْ الْهِرَّةُ ( لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ) . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ، ثُمَّ النَّوَوِيُّ ، ثُمَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، ثُمَّ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : بِفَتْحِ الْجِيمِ مِنَ النَّجَاسَةِ كَذَا فِي زَهْرِ الرُّبَى عَلَى الْمُجْتَبَى ، وَكَذَا ضَبْطُ السُّيُوطِيِّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي . وَقَالَ الْقَارِّيُّ فِي الْمِرْقَاةِ : وَذَكَرَ الْكَازَرُونِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ قَالَ : هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَالنَّجَسُ النَّجَاسَةُ فَالتَّقْدِيرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِذَاتِ نَجَسٍ ، وَفِيمَا سَمِعْنَا وَقَرَأْنَا عَلَى مَشَائخِنَا هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ الْقِيَاسُ : أَيْ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ ، وَلَمْ يُلْحِقْ التَّاءَ نَظَرًا إِلَى أَنَّهَا فِي مَعْنَى السِّنَّوْرِ .
انْتَهَى . ( إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ) قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالْمَمَالِيكِ مِنْ خَدَمِ الْبَيْتِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَى أَهْلِهِ لِلْخِدْمَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمِنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ ، يُرِيدُ أَنَّ الْأَجْرَ فِي مُوَاسَاتِهَا كَالْأَجْرِ فِي مُوَاسَاةِ مَنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ ، وَقَالَ : لَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ سِوَاهُ . ( أَوْ الطَّوَّافَاتِ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ .
وَقَالَ فِي الْأَزْهَارِ : شَبِّهُ ذُكُورَهَا بِالطَّوَّافِينَ وَإِنَاثَهَا بِالطَّوَّافَاتِ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَلَيْسَتْ لِلشَّكِّ لِوُرُودِهِ بِالْوَاوِ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ ؛ بَلْ لِلتَّنْوِيعِ ، وَيَكُونُ ذَكَرَ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ من طريق دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ التَّمَّارِ ، عَنْ أُمِّهِ ، أَنَّ مَوْلَاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ فَوَجَدَتْهَا تُصَلِّي ، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ ، فَقَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا .
قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا لَفْظُهُ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أُمِّهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ ،
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَارِثَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ قَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ الْهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَحَارِثَةُ لَا بَأْسَ بِهِ . انْتَهَى ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَدُونَهُمْ دَارٌ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَأْتِي دَارَ فُلَانٍ وَلَا تَأْتِي دَارَنَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : لِأَنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْبًا ، قَالُوا : فَإِنَّ فِي دَارِهِمْ سِنَّوْرًا فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : السِّنَّوْرُ سَبُعٌ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ : السِّنَّوْرُ سَبُعٌ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مَسَانِيدِهِمْ " الْهِرُّ سَبُعٌ " وَفِي أَسَانِيدِ جَمِيعِ هَؤُلَاءِ عِيسَى بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَقَدْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى عِيسَى بْنِ الْمُسَيَّبِ ، مَنْ شَاءَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ .
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَرْضٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا : بَطْحَانُ فَقَالَ : يَا أَنَسُ ، اسْكُبْ لِي وَضُوءًا ، فَسَكَبْتُ لَهُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ أَقْبَلَ إِلَى الْإِنَاءِ ، وَقَدْ أَتَى هِرٌّ فَوَلَغَ فِي الْإِنَاءِ فَوَقَفَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْفَةً حَتَّى شَرِبَ الْهِرُّ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَقَالَ : يَا أَنَسُ ، إِنَّ الْهِرَّ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ لَنْ يُقَذِّرَ شَيْئًا وَلَنْ يُنَجِّسَهُ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ .قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ لَمْ يَرَوْا بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ بَأْسًا ) ؛ يَعْنِي أَنَّ سُؤْرَ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَاللَّيْثِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَالثَّوْرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَالْحَسَنِ فِيمَا رَوَى عَنْهُ الْأَشْعَثُ ، وَالثَّوْرِيِّ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ، كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ حَكَاهُ الْعَيْنِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ .
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ ، وَالطَّحَاوِيِّ كَذَا فِي التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ إِنَّ سُؤْرَ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ . وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَقَوْلُهُمْ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ .
وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ ، وَالْأَمْرُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِ الْهِرَّةِ ، وَكَذَلِكَ كَوْنُهَا سَبُعًا يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى نَجَاسَتِهِ ، فَأَثْبَتُوا حُكْمَ الْكَرَاهَةِ عَمَلًا بِهِمَا . وَرُدَّ احْتِجَاجُهُمْ هَذَا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِ الْهِرَّةِ لَمْ يَثْبُتْ ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ مِنَ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِ الْهِرَّةِ بِلَفْظِ : " وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً " فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ هُوَ مُدْرَجٌ . وَقَالَ الْقَارِّيُّ فِي الْمِرْقَاةِ بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا خَبَرُ " يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا ، وَمِنْ وُلُوغِ الْهِرَّةِ مَرَّةً " مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، كَمَا بَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَإِنْ خَفِيَ عَلَى الطَّحَاوِيِّ ، وَلِذَا قَالَ سُؤْرُ الْهِرَّةِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ، قَالَ : وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَطَعَ ذَيْلَ ثَوْبِهِ الَّذِي رَقَدَتْ عَلَيْهِ هِرَّةٌ فَلَا أَصْلَ لَهُ .
انْتَهَى . وأَمَّا كَوْنُهَا سَبُعًا فَلَمْ يَثْبُتْ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ ، وَمَا جَاءَ فِيهِ فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُقَاوِمُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي هِيَ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْهِرَّةَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ . عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا سَبُعًا أَنْ تَكُونَ نَجِسَةً ج١ / ص٩٦قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : حَدِيثُ الْبَابِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، فَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ حَدِيثِ السِّبَاعِ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُرُودِ مَا يَقْضِي بِنَجَاسَةِ السِّبَاعِ ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالسَّبُعِيَّةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهَا نَجَسٌ ؛ إِذْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالسَّبُعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقِيلَ : إِنَّ الْكِلَابَ وَالسِّبَاعَ تَرِدُ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابٌ وَطَهُورٌ ،
وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ ، وَقَالَ : لَهُ أَسَانِيدُ إِذَا ضُمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَانَتْ قَوِيَّةً بِلَفْظِ : أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَسَارَ لَيْلًا ، فَمَرُّوا عَلَى رَجُلٍ جَالِسٍ عِنْدَ مَقْرَاةٍ لَهُ وَهِيَ الْحَوْضُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَوَلَغَتِ السِّبَاعُ عَلَيْكَ اللَّيْلَةَ فِي مَقَرَّاتِكَ ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا صَاحِبَ الْمَقْرَاةِ ، لَا تُخْبِرْهُ ؛ هَذَا مُتَكَلِّفٌ ، لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابٌ وَطَهُورٌ ، هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُصَرِّحَةٌ بِطَهَارَةِ مَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ .
انْتَهَى مَا فِي النَّيْلِ . فَائِدَةٌ : قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْهِرَّةِ وَتَرْبِيَتُهَا ؛ أَخْذًا مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَأَمَّا
حَدِيثُ حُبُّ الْهِرَّةِ مِنَ الْإِيمَانِ فَمَوْضُوعٌ عَلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ كَالصَّغَانِيِّ ، ذَكَرَهُ الْقَارِّيُّ. قَوْلُهُ : ( قَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) : أَيْ صَحَّحَهُ وَجَعَلَهُ جَيِّدًا ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، ورَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ : وَقَدْ صَحَّحَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَاحْتَجَّ بِهِ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَقَدْ شَهِدَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، لِمَالِكٍ أَنَّهُ الْحَكَمُ فِي حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ ؛ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي طَهَارَةِ الْهِرَّةِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ : وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَلَكِنَّ ابْنَ مَنْدَهْ قَالَ : وَحُمَيْدَةُ وَخَالَتُهَا كَبْشَةُ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا رِوَايَةٌ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَحَلُّهُمَا مَحَلُّ الْجَهَالَةِ ، وَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ .
قَالَ الشَّيْخُ : وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمَا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَلَعَلَّ طَرِيقَ مَنْ صَحَّحَهُ أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ عَلَى إِخْرَاجِ مَالِكٍ لِرِوَايَتِهِمَا مَعَ شُهْرَتِهِ بِالتَّثْبِيتِ . انْتَهَى مَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ ابْنِ مَنْدَهْ مُتَعَقِّبًا عَلَيْهِ : فَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَمُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ لِحُمَيْدَةَ حَدِيثًا آخَرَ فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلَهَا ثَالِثٌ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ ، وَأَمَّا حَالُهُمَا : فَحُمَيْدَةُ رَوَى عَنْهَا مَعَ إِسْحَاقَ ابْنُهُ يَحْيَى وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ ، وَأَمَّا كَبْشَةُ فَقِيلَ : إِنَّهَا صَحَابِيَّةٌ ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِحَالِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
انْتَهَى . قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُمَيْدَةَ ذَكَرَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : مَقْبُولَةٌ ، وَأَمَّا كَبْشَةُ فَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهَا صُحْبَةٌ ، وَتَبِعَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، وَأَبُو مُوسَى كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ، وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ كَمَا عَرَفْتَ ، فَقَوْلُ مَنْ عَرَفَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ .