حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ

بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ

129 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَةُ جَحْشٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ : لَا إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ قُتَيْبَةُ : قَالَ اللَّيْثُ : لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ .

( باب ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة )

قَوْلُهُ : ( اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَةُ جَحْشٍ ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْحَاءِ السَّاكِنَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ ، وَهِيَ أُخْتُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : أُمُّ حَبِيبَةَ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَبَنَاتُ جَحْشٍ ثَلَاثٌ : زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَحَمْنَةُ ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ . قِيلَ : إِنَّهُنَّ كُنَّ مُسْتَحَاضَاتٍ كُلَّهُنَّ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الثَّلَاثَ مُسْتَحَاضَاتٌ فَهِيَ زَيْنَبُ ، وَقَدْ عَدَّ الْعُلَمَاءُ الْمُسْتَحَاضَاتِ فِي عَصْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَلَغْنَ عَشْرَ نِسْوَةٍ ، انْتَهَى .

( فَقَالَتْ إِنِّي أُسْتَحَاضُ ) بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ تَاءٍ ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَرِدُ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ، يُقَالُ اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا .

( فَلَا أَطْهُرُ ) أَيْ مُدَّةً مَدِيدَةً ( أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، أَيْ أَفَأَتْرُكُهَا مَا دَامَتِ الِاسْتِحَاضَةُ مَعِي وَلَوْ طَالَتِ الْمُدَّةُ ( فَقَالَ لَا ) أَيْ لَا تَدَعِيهَا ( إِنَّمَا ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابا لَهَا وَتُفْتَحُ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ ، أَيِ الَّذِي تَشْتَكِينَهُ ( عِرْقٌ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، أَيْ دَمُ عِرْقٍ انْشَقَّ وَانْفَجَر مِنْهُ الدَّمُ ، أَوْ إِنَّمَا سَبَبُهَا عِرْقٌ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ .

( فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ) أَيْ إِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ : لَا . إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عنْك الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي .

( فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ ) أَيْ أُمُّ حَبِيبَةَ ( لِكُلِّ صَلَاةٍ ) أَيْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ( قَالَ اللَّيْثُ : لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ : وَلَا أَشُكُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ غُسْلَهَا كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ مَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَذَلِكَ وَاسِعٌ لَهَا ، وَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ .

قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ : اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ ) فَالزُّهْرِيُّ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَعَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ كِلَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ، كَمَا بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . . . إِلَخْ .

قَوْلُهُ : ( وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْغُسْلُ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ ، وَلَا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي وَقْتِ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ

[1/123]

عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ غُسْلًا وَاحِدًا ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ قَالَا : تَغْتَسِلُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ دَائِمًا . وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، فَلَا يَجِبُ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِيجَابِهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْغُسْلِ .

وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَمَنْ قَبْلَهُ ضَعْفَهَا ، وَإِنَّمَا صَحَّ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ ، وَنَقَلَ بَعْدَ هَذَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ وَكَذَا قَالَهُ شَيْخُهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا .

قُلْتُ : وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث