حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَنَّهُمَا لَا يَقْرَآنِ الْقُرْآنَ

بَاب مَا جَاءَ فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَنَّهُمَا لَا يَقْرَآنِ الْقُرْآنَ

131 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَا : نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يقْرَأْ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ قَالُوا : لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا طَرَفَ الْآيَةِ وَالْحَرْفَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَرَخَّصُوا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ ، قَالَ : وَسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : إِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ يَرْوِي عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ ، كَأَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايَتَهُ عَنْهُمْ فِيمَا يَتفَرِدُ بِهِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَصْلَحُ مِنْ بَقِيَّةَ ، وَلِبَقِيَّةَ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ عَنْ الثِّقَاتِ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدَّثَنِي بذلك أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَال : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ بذَلِكَ .

بَاب مَا جَاءَ فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَنَّهُمَا لَا يَقْرَآنِ الْقُرْآنَ

قَوْلُهُ : ( وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ) بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ ، صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ : وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَكَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَوْلَادٍ بِأَسْمَاءِ الْعَشَرَةِ .

( نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ ) بْنُ سُلَيْمٍ الْعَنْسِيُّ أَبُو عُتْبَةَ الْحِمْصِيُّ ، صَدُوقٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ ، مُخَلِّطٌ فِي غَيْرِهِمْ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ : عَالِمُ الشَّامِ ، وَأَحَدُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَدُحَيْمٌ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ ، مَاتَ سَنَةَ 181 إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ .

قَوْلُهُ : ( لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ ) أَيْ لَا الْقَلِيلَ وَلَا الْكَثِيرَ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَلَا لِلْحَائِضِ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ ، وَفِي كُلِّهَا مَقَالٌ ، لَكِنْ تَحْصُلُ الْقُوَّةُ بِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَمَجْمُوعُهَا يَصْلُحُ لِأَنْ يُتَمَسَّكَ بِهَا .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ) قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ نَكُنْ جُنُبًا ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، كَذَا فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْجُبُهُ أَوْ لَا يَحْجِزُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَصَحَّحَهُ قَالَ : وَلَمْ يَحْتَجَّا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَمَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَكَانَ قَدْ كَبِرَ وَأُنْكِرَ حَدِيثُهُ وَعَقْلُهُ ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا بَعْدَ كِبَرِهِ ، قَالَهُ شُعْبَةُ . انْتَهَى كَلَامُهُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ .

[1/124]

وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ .

قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ . . . إِلَخْ ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ قَدْ وَثَّقَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ ، وَهُوَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : هَذَا حَدِيثٌ يَنْفَرِدُ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ضَعِيفَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا ، قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ غَيْرِهِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . انْتَهَى ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي عِلَلِهِ : سَمِعْتُ أَبِي وَذَكَرَ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ هَذَا فَقَالَ : أَخْطَأَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابن عُمَرَ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ .

قَوْلُهُ : ( قَالُوا لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا طَرَفَ الْآيَةِ ) أَيْ بَعْضَهَا ، فَلَا بَأْسَ لَهُمَا قِرَاءَةُ بَعْضِ الْآيَةِ أَوْ حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْآيَةِ بِتَمَامِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا أَلْبَتَةَ .

قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْجُنُبِ : إِنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا . وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ قَالَ : تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ ; لِأَنَّ الْحَائِضَ إِنْ لَمْ تَقْرَأْ نَسِيَتِ الْقُرْآنَ ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ الْحَيْضِ تَتَطَاوَلُ ، وَمُدَّةُ الْجَنَابَةِ لَا تَطُولُ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِقِرَاءَةِ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، انْتَهَى .

قُلْتُ : قَوْلُ الْأَكْثَرِ هُوَ الرَّاجِحُ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رحمه الله عَقَدَ بَابًا فِي صَحِيحِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَائِلٌ بِجَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : بَابٌ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الْآيَةَ ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ . وَذَكَرَ آثَارًا أُخْرَى ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرَفَ حِضْتُ . . . الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : ( فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي ) ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : إِنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً ، وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ ، وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ ، وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ ذِكْرَ اللَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ ، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - شَيْءٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ غَيْرِهِ ، لَكِنَّ أَكْثَرَهَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ ؛ وَلِهَذَا تَمَسَّكَ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ غَيْرُهُ كَالطَّبَرِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُدُ بِعُمُومِ حَدِيثِ : كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ; لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أوَ بِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ بِالْعُرْفِ ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي جَمِيعِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ نِزَاعٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَصَرُّفِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ .

وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ ، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ رُوَاتِهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ ، لَكِنْ قِيلَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهُ ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : " لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ " فَضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا لَفْظُهُ : وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَمَوْقُوفًا وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي أَنِيسَةَ ، وَهُوَ كَذَّابٌ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا الْأَثَرُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ ، وَسَاقَهُ عَنْهُ فِي الْخِلَافِيَّاتِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : وَرُبَّمَا يُعَضَّدَانِ - أَيْ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ - بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ فَلِذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَيْضًا . انْتَهَى .

قَوْلُهُ : ( قَالَ وَسَمِعْتُ ) أَيْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَسَمِعْتُ .

( قَالَ : وَإِنَّمَا حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ ) أَيْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ الَّذِي هُوَ صَحِيحٌ وَصَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ إِنَّمَا هُوَ مَا يَرْوِيهِ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْعَنْسِيُّ الْحِمْصِيُّ عَالِمُ الشَّامِ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَدُحَيْمٌ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَدُوقٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ مُخَلِّطٌ فِي غَيْرِهِمْ .

( وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَصْلَحُ مِنْ بَقِيَّةَ ) كَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سُئِلَ أَبِي عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَبَقِيَّةَ ، فَقَالَ : بَقِيَّةُ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ بَقِيَّةَ : قَالَ أَحْمَدُ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ . انْتَهَى ، فَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث