حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيسِ بِالْفَجْرِ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، ح ، قَالَ : ونَا الْأَنْصَارِيُّ نَا مَعْنٌ نَا مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ : فَتمُرُّ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ : مُتَلَفِّعَاتٍ . وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَقَيْلَةَ ابِنْة مَخْرَمَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، ، ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، يَسْتَحِبُّونَ التَّغْلِيسَ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ .

( بَابٌ مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيسِ بِالْفَجْرِ ) أَيْ أَدَاءِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الْغَلَسِ ، وَالْغَلَسُ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ . قَوْلُهُ : ( وَنَا الْأَنْصَارِيُّ ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ قَدْ يَقُولُ الْأَنْصَارِيُّ وَقَدْ يُصَرِّحُ بِاسْمِهِ . ( نَا مَعْنٌ ) هُوَ ابْنُ عِيسَى بْنُ يَحْيَى الْأَشْجَعِيُّ .

قَوْلُهُ : ( إِنْ كَانَ ) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ ، أَيْ : إِنَّهُ كَانَ ( قَالَ الْأَنْصَارِيُّ ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ ( فَتَمُرُّ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ ، مِنَ التَّلَفُّفِ بِالْفَاءَيْنِ . ( بِمُرُوطِهِنَّ ) الْمُرُوطُ جَمْعُ مِرْطٍ بِكَسْرِ مِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَهُوَ كِسَاءٌ مُعَلَّمٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . كَذَا قَالَ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ ، أَيْ فَتَمُرُّ النِّسَاءُ حَالَ كَوْنِهِنَّ مُغَطِّيَاتٍ رُؤوسَهُنَّ وَأَبْدَانَهُنَّ بِالْأَكْسِيَةِ .

( مَا يُعْرَفْنَ ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَمَا نَافِيَةٌ ، أَيْ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ . ( مِنَ الْغَلَسِ ) مِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ ، أَيْ لِأَجْلِ الْغَلَسِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : قَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ : لَا يُعْرَفْنَ أَنِسَاءٌ أَمْ رِجَالٌ ، أي لَا يَظْهَرُ لِلرَّائِي إِلَّا الْأَشْبَاحُ خَاصَّةً ، وَقِيلَ : لَا يُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَزَيْنَبَ ، وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُتَلَفِّعةَ فِي النَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ لَعَبَّرَ بِنَفْيِ الْعِلْمِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَلَفِّعةَ بِالنَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ امْرَأَةٍ هَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الْأُخْرَى فِي الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ بَدَنُهَا مُغَطًّى ، وَقَالَ الْبَاجِي : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ سَافِرَاتٍ ، إِذْ لَوْ كُنَّ مُتَنقِبَاتٍ لَمَنَعَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ .

قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاشْتِبَاهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ ، وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا : إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ هَيْئَةً غَالِبًا فَلَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ : وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنَ الصَّلَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُتَلَفِّعَةِ عَلَى بُعْدٍ ، وَذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْجَلِيسِ ، انْتَهَى .

( وَقَالَ قُتَيْبَةُ ) أَيْ في رِوَايَتُهُ ( مُتَلَفِّعَاتٌ ) مِنَ التَّلَفُّعِ . قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ مُتَلَفِّفَاتٍ بِأَكْسِيَتِهِنَّ . وَاللِّفَاعُ ثَوْبٌ يُجَلَّلُ بِهِ الْجَسَدُ كُلُّهُ كِسَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ .

وَتَلَفَّعَ بِالثَّوْبِ إِذَا اشْتَمَلَ بِهِ . انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : التَّلَفُّعُ أَنْ تَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ حَتَّى تُجَلِّلَ بِهِ جَسَدَكَ . وَفِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ لِابْنِ حَبِيبٍ : التَّلَفُّعُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، وَالتَّلَفُّفُ يَكُونُ بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَكَشْفِهِ ، انْتَهَى .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ وَقَيْلَةَ ابِنْة مَخْرَمَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَيَأْتِي لَفْظُهُ ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهُ : إِنِّي أُصَلِّي مَعَكَ ثُمَّ أَلْتَفِتُ فَلَا أَرَى وَجْهَ جَلِيسِي ، ثُمَّ أَحْيَانَا تُسْفِرُ ، فَقَالَ : كَذَلِكَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُصَلِّيَهَا كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ أَبُو الرَّبِيعِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَجْهُولٌ ، انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سُحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ : كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سُحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً .

وَأَمَّا حَدِيثُ قَيْلَةَ ابِنْة مَخْرَمَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ...... . صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ .

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا وَفِيهِ : وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ فَسَيَأْتِي تَخْرِيجُهُ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ .

قَوْلُهُ : ( وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، يَسْتَحِبُّونَ التَّغْلِيسَ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَالتَّغْلِيسُ بِهَا أَفْضَلُ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُغْلِسُونَ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ وَيَأْتُوا الدُّونَ ، وَهُمُ النِّهَايَةُ فِي إِتْيَانِ الْفَضَائِلِ . انْتَهَى ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ : تَغْلِيسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتٌ وَأَنَّهُ دَاوَمَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدَاوِمُ إِلَّا عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ تَأَسِّيًا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ، ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ، ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ .

قَالَ : هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي شَرْحِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَهَذَا إِسْنَادٌ رُوَاتُهُ عَنْ آخِرِهِ ثِقَاتٌ ، وَالزِّيَادَةُ عَنِ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ . وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَرَأَوْا التَّغْلِيسَ أَفْضَلَ ، رُوِّينَا ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ : أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَازِمِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وصححه ابن خزيمة وغيره ، كَذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا رُؤْيَتَهُ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي قِصَّةِ الْإِسْفَارِ رُوَاتُهَا عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ .

انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : إِسْنَاده حَسَنٌ ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : رِجَالُهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ رِجَالُ الصَّحِيحِ . فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ يَكُونُ إِسْنَادُ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ صَحِيحًا أَوْ حَسَنًا وَفِيهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ؟ قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ . فَرَاجَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ : إِذَا تَدَبَّرْتَ حَدِيثَهُ تَعْرِفُ فِيهِ النُّكْرَةَ .

وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ يَحْيَى .... . الْقَطَّانُ : تُرِكَ حَدِيثُهُ بِأَخَرَةٍ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، كَذَا فِي الْمِيزَانِ . وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ ثِقَةٌ فَزِيَادَتُهُ الْمَذْكُورَةُ شَاذَّةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فَإِنَّهُ قَدْ تَفَرَّدَ بِهَا ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَيْرَهُ ، وَالثِّقَةُ إِذَا خَالَفَ الثِّقَاتِ فِي الزِّيَادَةِ فَزِيَادَتُهُ لَا تُقْبَلُ وَتَكُونُ غَيْرَ مَحْفُوظَةٍ .

قُلْتُ : أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ ، وَإِنْ تُكُلِّمَ فِيهِ ، لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ ثِقَةٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، قَالَ إِمَامُ هَذَا الشَّأْنِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ حُجَّةٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، كَذَا فِي الْمِيزَانِ ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ ذِكْرُ أَسْمَاءِ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَهُوَ مُوَثَّقٌ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ لَا الْعَدَوِيُّ ، صَدُوقٌ قَوِيُّ الْحَدِيثِ ، أَكْثَرَ مُسْلِمٌ إِخْرَاجَ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهَا شَوَاهِدُ أَوْ مُتَابَعَاتٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ثِقَةٌ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . انْتَهَى ، وَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ : إِذَا تَدَبَّرْتَ حَدِيثَهُ تَعْرِفُ فِيهِ النُّكْرَةَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ الْإِطْلَاقَ ، بَلْ أَرَادَ حَدِيثَهُ الَّذِي رُوى عَنْ نَافِعٍ ، فَفِي الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : رَوَى عَنْ نَافِعٍ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ : وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ : إِنْ تَدَبَّرْتَ حَدِيثَهُ فَسَتَعْرِفُ فِيهِ النُّكْرَةَ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ رَوَى مَنَاكِيرَ لَا يَسْتَلْزِمُ ضَعْفَهُ ، فَقَدْ قَالَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ : فِي حَدِيثِهِ شَيْءٌ ، يَرْوِي أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ . وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ ، وَكَذَا قَالَ فِي بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ : رَوَى مَنَاكِيرَ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ ، كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي ، وَأَمَّا قَوْلُ يَحْيَى الْقَطَّانِ : تُرِكَ حَدِيثُهُ بِأَخَرَةٍ ، فَغَيْرُ قَادِحٍ ، فَإِنَّهُ مُتَعَنِّتٌ جِدًّا فِي الرِّجَالِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَقَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ص 437 ج 1 فِي تَوْثِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ : احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَكَوْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لَا يَرْضَاهُ غَيْرُ قَادِحٍ ؛ فَإِنَّ يَحْيَى شَرْطُهُ شَدِيدٌ فِي الرِّجَالِ .

انْتَهَى ، أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، مِنْ غَيْرِ بَيَانِ السَّبَبِ فَغَيْرُ قَادِحٍ أَيْضًا ، قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ فِي تَوْثِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ : وَقَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، غَيْرُ قَادِحٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْهُ فِي رِجَالٍ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصَّحِيحِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ السَّبَبِ كَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَغَيْرِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّسَائِيِّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، فَغَيْرُ قَادِحٍ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ ، مَعَ أَنَّهُ مُتَعَنِّتٌ وَتَعَنُّتُهُ مَشْهُورٌ ، فَالْحَقُّ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ اللَّيْثِيَّ ثِقَةٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَزِيَادَتُهُ الْمَذْكُورَةُ مَقْبُولَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ الْحَازِمِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُنَافِيَةً لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ لَمْ يَذْكُرُوهَا ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ إِنَّمَا تَكُونُ شَاذَّةً إِذَا كَانَتْ مُنَافِيَةً لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنَ الثِّقَاتِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي كِتَابِنَا أَبْكَارُ الْمِنَنِ فِي نَقْدِ آثَارِ السُّنَنِ فِي بَابِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّدْرِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَقَدْ وَجَدْتُ مَا يُعَضِّدُ رِوَايَةَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَيَزِيدُ عَلَيْهَا أَنَّ الْبَيَانَ مِنْ فِعْلِ جِبْرِيلَ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَاغَنْدِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، فَذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا ، لَكِنْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، فَرَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى عُرْوَةَ ، وَوَضَحَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا ، وَأَنَّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ اخْتِصَارًا ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ ، فَلَا تُوصَفُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِالشُّذُوذِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .

قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ زِيَادَةَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورَةَ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، ثَنَا نَهِيكُ بْنُ يَرِيمَ الْأَوْزَاعِيُّ ، ثَنَا مُغِيثُ بْنُ سُمَيٍّ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلْتُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : هَذِهِ صَلَاتُنَا كَانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أَسْفَرَ بِهَا عُثْمَانُ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا ، قَالَ فِي شَرْحِ الْآثَارِ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : ثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ ح ، وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ بِإِسْنَادِ ابْنِ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ وَزِيَادَتُهُ الْمَذْكُورَةُ مَقْبُولَةٌ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث