حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِسْفَارِ بِالْفَجْرِ

بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِسْفَارِ بِالْفَجْرِ

154 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا عَبْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ ، وفي الباب عن أبي برزة وجابر وبلال ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ أَيْضًا عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ الْإِسْفَارَ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : مَعْنَى الْإِسْفَارِ أَنْ يَضِحَ الْفَجْرُ فَلَا يُشَكَّ فِيهِ ، وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ مَعْنَى الْإِسْفَارِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ .

( بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِسْفَارِ بِالْفَجْرِ )

قَوْلُهُ : ( عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ) الْأَوْسِيِّ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ عَالِمٌ بِالْمَغَازِي ، مِنَ الرَّابِعَةِ ، مَاتَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ .

( عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدِ ) بْنِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ الْأَوْسِيِّ الْأَشْهَلِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ جُلُّ رِوَايَتِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ ، مَاتَ سَنَةَ 96 سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَقيلَ سَبْعٍ وَلَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً .

قَوْلُهُ : ( أَسْفَرُوا بِالْفَجْرِ ) أَيْ صَلَّوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ إِذَا أَضَاءَ الْفَجْرُ وَأَشْرَقَ ، قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ : أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا انْكَشَفَ وَأَضَاءَ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : سَفَرَ الصُّبْحُ يَسْفُرُ أَضَاءَ وَأَشْرَقَ كَأَسْفَرَ ، انْتَهَى .

( فَإِنَّهُ ) أَيِ الْإِسْفَارَ بِالْفَجْرِ .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ، وَجَابِرٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُمَا فِي الْإِسْفَارِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْهُمَا حديث التَّغْلِيسَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : وَعَنْ جَابِرٍ وَأَبِي بَرْزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .

( وَبِلَالٍ ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِنَحْوِ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَفِي سنَدِهِ أَيُّوبُ بْنُ يَسَارٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ سَنَدَهُ بِتَمَامِهِ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ .

وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَبِلَالٍ ، وَغَيْرِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، - ذَكَرَ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، وَعَامَّةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضِعَافٌ .

قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ) فَتَابَعَا عَبْدَةَ ( وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ أَيْضًا عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ) فَتَابَعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، فَلَا يَقْدَحُ عَنْعَنَتُهُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ .

قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ .

قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ الْإِسْفَارَ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ أَيْضًا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إِلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ ، قَالَ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ فِي الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ : مَعْنَاهُ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ ، إِذْ فِعْلُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَهَا كَانَ مُعْتَادًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ عَجَّلَ بِهَا يَوْمَئِذٍ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ ، انْتَهَى .

وَفِيهِ : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ فِي مُزْدَلِفَةَ خِلَافَ عَادَتِهِ أَوَّلَ مَا بَزَغَ الْفَجْرُ بِحَيْثُ يَقُولُ قَائِلٌ : طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَقَالَ قَائِلٌ : لَمْ يَطْلُعْ . وَهَذَا لَا يَثْبُتُ مِنْهُ أَلْبَتَةَ أَنَّ الْقِيَامَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْغَلَسِ فِي الْإِسْفَارِ كَانَ مُعْتَادًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ مَنَعَ التَّغْلِيسَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ التَّغْلِيسُ بِهَا ، بَلِ الْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ ، فَصَلَّى الصُّبْحَ مَعَ ذَلِكَ بِغَلَسٍ ، وَأَمَّا بِمُزْدَلِفَةَ فَكَانَ النَّاسُ مُجْتَمِعِينَ وَالْفَجْرُ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ ، فَبَادَرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ مَا بَزَغَ حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ طُلُوعُهُ ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ حَيْثُ قَالَ : ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَقَائِلٌ يَقُولُ : لَمْ يَطْلُعْ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ هَذَا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِسْفَارِ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ . وَأُجِيبَ مِنْ قِبَلِ مَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الْإِسْفَارِ عَنْ أَحَادِيثِ التَّغْلِيسِ بِأَجْوِبَةٍ كُلُّهَا مَخْدُوشَةٌ .

فَمِنْهَا : أَنَّ التَّغْلِيسَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ .

وَفِيهِ هَذَا مُجَرَّدُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَ ، وَقَدْ ثَبَتَ تَغْلِيسُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى وَفَاتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، قَالَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْجَوَابِ فِيهِ : إِنَّهُ نَسْخٌ اجْتِهَادِيٌّ مَعَ ثُبُوتِ حَدِيثِ الْغَلَسِ إِلَى وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَمِنْهَا : أَنَّ الْإِسْفَارَ كَانَ مُعْتَادًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ .

وَفِيهِ : أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِسْفَارَ كَانَ مُعْتَادًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاطِلٌ جِدًّا ، بَلْ مُعْتَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ التَّغْلِيسَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ .

وَمِنْهَا : أَنَّ التَّغْلِيسَ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَمَا اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى الْإِسْفَارِ ، وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : مَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مَا اجْتَمَعُوا عَلَى التَّنْوِيرِ .

وَفِيهِ : أَنَّ دَعْوَى إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْإِسْفَارِ بَاطِلَةٌ جِدًّا ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ التَّغْلِيسِ : وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ . . . إِلَخْ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : صَحَّ عَنْ رَسُولِ

[1/145]

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُغْلِسُونَ كَمَا عَرَفْتَ فِي كَلَامِ ابْنِ قُدَامَةَ ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ ص 104 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانُوا يُصَلُّونَ الصُّبْحَ بِغَلَسٍ . وَرُوى عَنِ الْمُهَاجِرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ صَلِّ الصُّبْحَ بِسَوَادٍ ، أَوْ قَالَ : بِغَلَسٍ ، وَأَطِلِ الْقِرَاءَةَ . ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ : أَفَلَا تَرَاهُ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُمْ فِيهَا بِغَلَسٍ وَأَنْ يُطِيلُوا الْقِرَاءَةَ ؟ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يُدْرِكُوا الْإِسْفَارَ ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رُوِّينَا عَنْهُ فِي هَذَا شَيْئًا سِوَى عُمَرَ قَدْ كَانَ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَيْضًا . ثُمَّ ذَكَرَ أَثَرَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فِي تَغْلِيسِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَتَطْوِيلِهِ الْقِرَاءَةَ فِيهَا . ثُمَّ قَالَ : فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ دَخَلَ فِيهَا فِي وَقْتٍ غَيْرِ الْإِسْفَارِ ثُمَّ مَدَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا حَتَّى خِيفَ عَلَيْهِ طُلُوعُ الشَّمْسِ ، وَهَذَا بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِقُرْبِ عَهْدِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِفِعْلِهِ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ لَهُ ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ بَعْدِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنْهُمْ . انْتَهَى .

فَلَمَّا عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ ظَهَرَ لَكَ ضَعْفُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ الْمَذْكُورِ .

( وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : مَعْنَى الْإِسْفَارِ أَنْ يَضِحَ الْفَجْرُ فَلَا يُشَكُّ فِيهِ ، وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ مَعْنَى الْإِسْفَارِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ ) يُقَالُ : وَضَحَ الْفَجْرُ يضح إِذَا أَضَاءَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : قَالُوا : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ بِتَغْلِيسِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا كَانُوا يُصَلُّونَهَا عِنْدَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ حِرْصًا وَرَغْبَةً فَقَالَ : أَسْفِرُوا بِهَا ، أَيْ أَخِّرُوهَا إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وتتحققوه ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ : نَوِّرْ بِالْفَجْرِ قَدْرَ مَا يُبْصِرُ الْقَوْمُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِمْ ، انْتَهَى .

قُلْتُ : هَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ حَدِيثِ الْإِسْفَارِ .

وَفِيهِ نَظَرٌ ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : تَأْوِيلُ الْإِسْفَارِ بِتَيَقُّنِ الْفَجْرِ حَتَّى لَا يَكُونَ شَكٌّ فِي طُلُوعِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، إِذ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَمْ يُحْكَمْ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فَضْلًا عَنْ إِثَابَةِ الْأَجْرِ ، عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ مَا يَنْفِيهِ وَهُوَ : أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ . فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : فِي هَذَا التَّأْوِيلِ نظر ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ هُرْمُزَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : سَمِعْتُ جَدِّي رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ : يَا بِلَالُ نَوِّرْ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُبْصِرَ الْقَوْمُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِمْ مِنَ الْإِسْفَارِ . انتهى . وَقَدْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ رِوَايَاتٍ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ هَذَا التَّأْوِيلِ .

وَقِيلَ : إِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِسْفَارِ خَاصٌّ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الصُّبْحِ لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا فَأُمِرُوا بِالْإِسْفَارِ احْتِيَاطًا ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى اللَّيَالِي الْمُعْتِمَةِ . وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى اللَّيَالِي الْقَصِيرَةِ لِإِدْرَاكِ النُّوَّامِ الصَّلَاةَ . قَالَ مُعَاذٌ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ : إِذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ فَغَلِّسْ بِالْفَجْرِ وَأَطِلِ الْقِرَاءَةَ قَدْرَ مَا يُطِيقُ النَّاسُ وَلَا تُمِلَّهُمْ ، وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ فَأَسْفِرْ بِالْفَجْرِ فَإِنَّ اللَّيْلَ قَصِيرٌ وَالنَّاسَ نِيَامٌ فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوا . كَذَا نَقَلَهُ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ . قُلْتُ : وَرَوَاهُ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ .

قُلْتُ : أَسْلَمُ الْأَجْوِبَةِ وَأَوْلَاهَا مَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَا لَفْظُهُ : وَهَذَا بَعْدَ ثُبُوتِهِ إِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْفَارُ دَوَامًا لَا ابْتِدَاءً ، فَيَدْخُلُ فِيهَا مُغْلِسًا وَيَخْرُجُ مِنْهَا مُسْفِرًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَوْلُهُ مُوَافِقٌ لِفِعْلِهِ لَا مُنَاقِضٌ لَهُ ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى فِعْلِ مَا الْأَجْرُ الْأَعْظَمُ فِي خِلَافِهِ؟! انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ . وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ ، وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَاَلَّذِي يَنْبَغِي الدُّخُولُ فِي الْفَجْرِ فِي وَقْتِ التَّغْلِيسِ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . انْتَهَى كَلَامُ الطَّحَاوِيِّ .

فَإِنْ قُلْتَ : يَخْدِشُ هَذَا الْجَمْعَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ، فَفِيهِ : أَنَّ النِّسَاءَ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ ، رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ ، وَللْبُخَارِيُّ : وَلَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا .

قُلْتُ : نَعَمْ ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ ، فَفِيهِ : " وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَمَالَ الْحَافِظُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ إِلَى نَسْخِ أَفْضَلِيَّةِ الْإِسْفَارِ ، فَإِنَّهُ عَقَدَ بَابًا بِلَفْظِ : بَيَانُ نَسْخِ الْأَفْضَلِيَّةِ بِالْإِسْفَارِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ، ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ ، لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ . قَالَ الْحَازِمِيُّ : هَذَا إِسْنَادٌ رُوَاتُهُ عَنْ آخِرِهِ ثِقَاتٌ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ هَذَا مَعَ ذِكْرِ مَا يُعَضِّدُهُ فَتَذَكَّرْ ، وَقَدْ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ التَّغْلِيسِ عَلَى حَدِيثِ الْإِسْفَارِ بِوُجُوهٍ ذَكَرَهَا الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ .

قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّ أَحَادِيثَ التَّغْلِيسِ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ وَأَقْوَى مِنْ أَحَادِيثِ الْإِسْفَارِ ، وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ التَّغْلِيسَ هُوَ الْأَفْضَلُ فَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى .

تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ فِي تَرْجِيحِ الْإِسْفَارِ مَا لَفْظُهُ : وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالْحَدِيثُ الْقَوْلِيُّ مُقَدَّمٌ ، أَيْ أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ ، فَصَارَ التَّرْجِيحُ لِمَذْهَبِ الْأَحْنَافِ ، انْتَهَى .

قُلْتُ : الحديث الْقَوْلِيُّ إِنَّمَا يُقَدَّمُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ كَمَا أَوْضَحَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ الْقَيِّمِ ، فَلَا وَجْهَ لِتَقْدِيمِ الْحَدِيثِ الْقَوْلِيِّ ، ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ التَّرْجِيحُ لِمَذْهَبِ الْأَحْنَافِ فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنَ التَّغْلِيسِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ السَّرَخْسِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ : يُسْتَحَبُّ الْغَلَسُ وَتَعْجِيلُ الظُّهْرِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعَرْفِ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث12 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث