بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بْبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
244 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَايَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ أَقُولُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾فَقَالَ لِي : أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ قَالَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الْإِسْلَامِ يَعْنِي مِنْهُ وَقَالَ : وَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا فَلَا تَقُلْهَا إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ فَقُلْ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ لَا يَرَوْنَ أَنْ يَجْهَرَ بِ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾قَالُوا : وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ ( بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بِ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾)
اعْلَمْ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ، أَحَدُهَا : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَاتِحَةِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ سِرًّا وَجَهْرًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا جَائِزَةٌ بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ مَعَ قِرَاءَتِهَا هَلْ يُسَنُّ الْجَهْرُ بِهَا أَوْ لَا ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا يُسَنُّ الْجَهْرُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَالثَّانِي لَا يُسَنُّ الْجَهْرُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقِيلَ : مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَابْنِ حَزْمٍ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، قُلْتُ : قَدْ ثَبَتَ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْإِسْرَارُ بِهَا عِنْدِي أَحَبُّ مِنَ الْجَهْرِ بِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
فَائِدَةٌ : قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مَا لَفْظُهُ : اللَّالَكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ نَا الْمُخَلِّصُ ، نَا أَبُو الْفَضْلِ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبِ بْنِ بِسَامٍ ، سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ جَرِيرٍ يَقُولُ : قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : حَدِّثْ بِحَدِيثِ السُّنَّةِ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ ، فَإِذَا وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قُلْتُ : يَا رَبِّ حَدَّثَنِي بِهَذَا سُفْيَانُ فَأَنْجُو أَنَا وَتُؤْخَذُ ، قَالَ : اكْتُبْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ إِلَى أَنْ قَالَ : يَا شُعَيْبُ ، لَا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتَ حَتَّى تَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَحَتَّى تَرَى أَنَّ إِخْفَاءَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾أَفْضَلَ مِنَ الْجَهْرِ بِهِ ، إِلَى أَنْ قَالَ : إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَسَأَلَكَ عَنْ هَذَا فَقُلْ : يَا رَبِّ حَدَّثَنِي بِهَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : هَذَا ثَابِتٌ عَنْ سُفْيَانَ ، وَشَيْخُ الْمُخْلِصِ ثِقَةٌ انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الْأَسَدِيُّ الْبَصْرِيُّ ) ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَهِيَ أُمُّهُ ، قَالَ أَحْمَدُ : إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثَبُّتِ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا ( نَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ مُصَغَّرًا هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ ( عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَايَةَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثِقَةٌ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ كُنْيَتُهُ أَبُو نَعَامَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ( عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ) اسْمُهُ يَزِيدُ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ : ( وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ ) أَيْ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ فِي الصَّلَاةِ مُحْدَثٌ ( إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ ) تَحْذِيرٌ أَيْ حَذِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الْحَدَثِ وَاتَّقِ مِنْهُ ( قَالَ ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ( يَعْنِي مِنْهُ ) أَيْ مِنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الرُّوَاةِ ( وَقَالَ ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ( وَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا ) أَيِ الْبَسْمَلَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَاشَ فِي خِلَافَتِهِ بِالْكُوفَةِ ، وَمَا أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا يَسِيرًا فَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ لَمْ يُدْرِكْهُ وَلَمْ يَضْبِطْ صَلَاتَهُ كَذَا فِي إِنْجَاحِ الْحَاجَةِ ( فَلَا تَقُلْهَا ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ نَهَاهُ عَنِ البَسْمَلَةِ رَأْسًا ، يَعْنِي لَا يَقُولُ لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا ، لَكِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْجَهْرِ إِذِ السَّمَاعُ عَادَةً يَتَعَلَّقُ بِالْجَهْرِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَقَدْ ضَعَّفَ الْحُفَّاظُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَأَنْكَرُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينَهُ كَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْخَطِيبِ ، وَقَالُوا : إِنَّ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ انْتَهَى ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ أَبِيهِ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَعَنْهُ أَبُو نَعَامَةَ الْحَنَفِيُّ قِيلَ : اسْمُهُ يَزِيدُ ، قُلْتُ : ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِلْبُخَارِيِّ انْتَهَى ، وَقَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَدِيثٌ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَدِيثُ الْحَسَنُ يُحْتَجُّ بِهِ لَا سِيَّمَا إِذَا تَعَدَّدَتْ شَوَاهِدُهُ ، وَكَثُرَتْ مُتَابَعَاتُهُ انْتَهَى كَلَامُهُ ، قُلْتُ : لَمْ أَجِدْ تَرْجَمَةَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، فَإِنْ كَانَ ثِقَةً قَابِلًا لِلِاحْتِجَاجِ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ ، مِنْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْسَامِ الصَّحِيحِ فَلَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ .
قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ ) وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ( ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ زَادَ مُسْلِمٌ لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ لَا يَجْهَرُونَ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾وَفِي أُخْرَى لِابْنِ خُزَيْمَةَ كَانُوا يُسِرُّونَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ النَّفْيُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا انْتَهَى ، وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي : فَانْدَفَعَ بِهَذَا تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِالِاضْطِرَابِ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ انْتَهَى قُلْتُ : وَالْعِلَّةُ الَّتِي أَعَلَّهَا بِهَا مَنْ أَعَلَّهَا هِيَ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنْ قَتَادَةَ مُكَاتَبَةً ، وَقَدْ رُدَّتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا ، بَلْ قَدْ رَوَاهَا غَيْرُهُ رِوَايَةً صَحِيحَةً .
فَإِنْ قُلْتَ :
رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ فَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾أَوِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. قَالَ : إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ أَوْ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
قُلْتُ : قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ إِنْكَارِ أَنَسٍ فَلَا يُقَاوَمُ مَا يَثْبُتُ عَنْهُ خِلَافُهُ فِي الصَّحِيحِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ نَسِيَ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَكِبَرِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرًا كَمَا سُئِلَ يَوْمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْحَسَنِ فَاسْأَلُوهُ فَإِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا ، وَكَمْ مِمَّنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذِكْرِهَا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا لَا عَنِ الْجَهْرِ بِهَا وَإِخْفَائِهَا ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ ، وَقَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ عِنْدَهُمْ كَانَ مِيرَاثًا عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَارَثُهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةَ دَائِمَةٌ صَبَاحًا وَمَسَاءً ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَجْهَرُ بِهَا دَائِمًا لَمَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا اشْتِبَاهٌ ، وَلَكَانَ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ، وَلَمَا قَالَ أَنَسٌ : لَمْ يَجْهَرْ بِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ ، وَلَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَسَمَّاهُ حَدَثًا ، وَلَمَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مِحْرَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَقَامِهِ عَلَى تَرْكِ الْجَهْرِ ، يَتَوَارَثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ ، وَذَلِكَ جَارٍ عِنْدَهُمْ مَجْرَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ ، لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَاعٍ وَلَا مُدٍّ ، وَمَنْ يَحْتَاجُهُ يَمْكُثُ مُدَّةً لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيُّ .