بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْإِقْعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، نَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَا عَلِيُّ ، أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي ، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ الْإِقْعَاءَ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ .
( بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْإِقْعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ) قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْإِقْعَاءِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ أَنَّ الْإِقْعَاءَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَلْصَقَ إِلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ ، هَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَصَاحِبُهُ أَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنُ سَلَامٍ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَجْعَلَ إِلْيَتَيْهِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، انْتَهَى .
وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ ، ثُمَّ ذَكَرَ التَّفْسِيرَ الثَّانِيَ بِلَفْظِ : قِيلَ ، ثُمَّ قَالَ : وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دينار ) هُوَ الدَّارِمِيُّ الْحَافِظُ ، صَاحِبُ الْمُسْنَدِ ، ثِقَةٌ مُتْقِنٌ . قَوْلُهُ : ( يَا عَلِيُّ ، أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي ) الْمَقْصُودُ : إِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لِوُقُوعِ النُّصْحِيَّةِ ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ كَذَلِكَ .
لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مِنَ الْإِقْعَاءِ ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْإِقْعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ ، وَنَذْكُرُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْبَابِ الْآتِي . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ ) هُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ ، أَبُو زُهَيْرٍ صَاحِبُ عَلِيٍّ ، كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ فِي رِوَايَةٍ ، وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ ، وَفِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سِوَى حَدِيثَيْنِ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ ، وَكَانَ كَذَّابًا ، انْتَهَى .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ : هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَرَأْتُ بِخَطِّ الذَّهَبِيِّ فِي الْمِيزَانِ وَالنَّسَائِيُّ مَعَ تَعَنُّتِهِ فِي الرِّجَالِ قَدِ احْتَجَّ بِهِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَوْهِينِهِ مَعَ رِوَايَتِهِمْ لِحَدِيثِهِ فِي الْأَبْوَابِ ، وَهَذَا الشَّعْبِيُّ يُكَذِّبُهُ ، ثُمَّ يَرْوِي عَنْهُ ، والظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْذِبُ فِي حِكَايَاتِهِ لَا فِي الْحَدِيثِ . قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ النَّسَائِيُّ وَإِنَّمَا خَرَّجَ لَهُ فِي السُّنَنِ حَدِيثًا وَاحِدًا مَقْرُونًا بِابْنِ مَيْسَرَةَ ، وَآخَرَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مُتَابَعَةً ، هَذَا جَمِيعُ مَا لَهُ عِنْدَهُ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ : وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّة ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ . الْحَدِيثَ ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ : قَالَ نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَلَاثٍ : عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرِ الدِّيكِ ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ . قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : وَإِسْنَادُ أَحْمَدَ حَسَنٌ .