بَاب فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ
بَاب فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ
536 حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو الْحَذَّاءُ الْمَدِينِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ . وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ جَدِّ كَثِيرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ نَحْوَ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . وَرُوِي عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى خمس تكبيرات قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يَبْدَأُ بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا مَعَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُ هَذَا وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ .
باب في التكبير في العيدين
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو ، أَبُو عمرو الْحَذَّاءُ الْمَدِينِيُّ ) صَدُوقٌ ( نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ) الصَّائِغُ مَوْلَى بني مَخْزُومٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ صَحِيحُ الْكِتَابِ وَفِي حِفْظِهِ لِينٌ ( عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ضَعِيفٌ ، مِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْكَذِبِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ : رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ . كَذَا فِي الْمِيزَانِ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : مَقْبُولٌ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ( عَنْ جَدِّهِ ) أَيْ عَنْ جَدِّ كَثِيرٍ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَحَابِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا .
قَوْلُهُ : ( كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ) أَيْ كَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ سَنَذْكُرُهَا ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ سِوَى تَكْبِيرَتَيِ الرُّكُوعِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَزَّارُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ ، وَفِي إِسْنَادِهِ فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ؛ سَبْعًا فِي الْأُولَى ، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا . وَقَالَ أَحْمَدُ : أَنَا أَذْهَبُ إِلَى هَذَا . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى ، وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ .
قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ : إِسْنَادُهُ صَالِحٌ ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدَةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، كَذَا فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ . وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : صَحَّحَهُ أَحْمَدُ ، وَعَلِيٌّ ، وَالْبُخَارِيُّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، انْتَهَى . وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ .
قُلْتُ : وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . قَالَ الْعَلَّامَةُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي الْجَوْهَرِ النَّقِيِّ : فِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تُخْرَجُ لَهُ الْعَنَزَةُ فِي الْعِيدَيْنِ حَتَّى يُصَلِّيَ إِلَيْهَا فَكَانَ يُكَبِّرُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ . وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَسَنُ الْبَجَلِيُّ وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ . وَقَدْ صَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَ هَذَا الْحَدِيثِ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ؛ فِي الْأُولَى سَبْعًا ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا ، وَفِي إِسْنَادِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُكَبِّرَ لِلصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ .
وَعَنْ عِمَارَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ ؛ فِي الْأُولَى سَبْعًا ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا ، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ جَدِّ كَثِيرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ تَحْسِينَهُ عَلَى التِّرْمِذِيِّ ، انْتَهَى . وَجْهُ الْإِنْكَارِ هُوَ أَنَّ فِي سَنَدِهِ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ عَرَفْتَ حَالَهُ .
وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ في تَحْسِينِهِ فَقَالَ : لَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِشَوَاهِدَ وغَيْرِهَا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ نَقْلًا عَنْ ميركَ : لَعَلَّ اعْتَضَدَ عِنْدَ مَنْ صَحَّحَهُ بِشَاهِدٍ وَأُمُورٍ قَدْ خَفِيَتِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ : إِنَّمَا تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْبُخَارِيَّ ، فَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ الْمُفْرَدَةِ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحَّ مِنْهُ ، وَبِهِ أَقُولُ . انْتَهَى .
قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثَ جَدِّ كَثِيرٍ لِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ قَدْ يُحَسِّنُ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ لِشَوَاهِدِهِ ، أَلَّا تَرَى أَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ : أَنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً ، ضَعِيفٌ وَقَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : إِنَّمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ لِشَوَاهِدِهِ ، انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ : لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحَّ مِنْهُ فَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَاسْمُهُ ) أَيِ اسْمُ جَدِّ كَثِيرٍ ( وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلخ ) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : شَهِدْتُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَفِي الْأُخْرَى خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ . وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قُلْتُ : وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً . أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ؛ سَبْعًا فِي الْأُولَى ، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ .
قَوْلُهُ : ( وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) إِلَّا أَنَّ مَالِكًا عَدَّ فِي الْأُولَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ سِوَاهَا ، وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَمْسَ فِي الثَّانِيَةِ غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ،
رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : شَهِدْتُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ . قَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، انْتَهَى .
قَالَ الشَّيْخُ سَلَامُ اللَّهِ فِي الْمُحَلَّى : وَهُوَ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَدْ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ، قَالَ الْحَافِظُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ : الْوَجْهُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ دُونَ الثَّانِي ، فَيَكُونُ آكَدَ ؛ وَلِذَلِكَ قَدَّمَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَرْبَعًا ، كَأَرْبَعِ الْجَنَائِزِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ فَيَكُونُ إِلَى الصِّحَّةِ أَقْرَبَ ، وَالْأَخْذُ بِهِ أَصْوَبَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَازِمِيِّ .
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : قَالَ الْعِرَاقِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ ، قَالَ : وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو طَالِبٍ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ : إِنَّ السَّبْعَ فِي الْأُولَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْمُزَنِيُّ : إِنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ مَعْدُودَةٌ مِنَ السَّبْعِ فِي الْأُولَى ، قَالَ : وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدِ الدَّارَقُطْنِيِّ سِوَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ سِوَى تَكْبِيرَتَيِ الرُّكُوعِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ السَّبْعَ لَا تُعَدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ وَالرُّكُوعِ ، وَالْخَمْسَ لَا تُعَدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ .
وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي يَعْنِي مَنْ قَالَ بِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ مَعْدُودَةٌ مِنَ السَّبْعِ فِي الْأُولَى بِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ ، انْتَهَى مَا فِي النَّيْلِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مُلَخَّصًا .
فَإِنْ قُلْتَ : مَا رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ هُوَ حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَعْنِي هُوَ فِعْلُهُ وَلَيْسَ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ به ؟
قُلْتُ : نَعَمْ هُوَ مَوْقُوفٌ لَكِنَّهُ مَرْفُوعٌ حُكْمًا ، فَإِنَّهُ لَا مَسَاغَ فِيهِ لِلِاجْتِهَادِ فَلَا يَكُونُ رَأْيًا إِلَّا تَوْقِيفًا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ حَقِيقَةً ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : إِسْنَادُهُ صَالِحٌ ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدَةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : صَحَّحَهُ أَحْمَدُ ، وَعَلِيٌّ ، وَالْبُخَارِيُّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، انْتَهَى . وَقَدْ عَرَفْتَ هَذَا فِيمَا سَبَقَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ حَقِيقَةً ، وَهِيَ وإِنْ كَانَتْ ضِعَافًا ، وَلَكِنْ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا .
تَنْبِيهٌ :
قَالَ النّيمَوِيُّ فِي آثَارِ السُّنَنِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، وَقَالَ فِي تَعْلِيقِهِ : عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِيهِ كَلَامٌ .
قُلْتُ : قَوْل النّيمَوِيِّ لَيْسَ مِمَّا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ إِذَا كَانَ السَّنَدُ إِلَيْهِ صَحِيحًا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ ، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَتَرْجَمَةُ عَمْرٍو قَوِيَّةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ حَيْثُ لَا تَعَارُضَ ، انْتَهَى .
ثُمَّ قَالَ النّيمَوِيُّ : وَمَعَ ذَلِكَ مَدَارُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : صُوَيْلِحٌ ، وَقَالَ مَرَّةً : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ بَعْدَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مَا لَفْظُهُ : وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَمَّا سَائِرُ حَدِيثِهِ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَهِيَ مُسْتَقِيمَةٌ ، انْتَهَى ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : لَهُ فِي مُسْلِمٍ حَدِيثٌ وَاحِدٌ كَادَ أُمَيَّةُ أَنْ يُسْلِمَ ، انْتَهَى ، وَفِيهِ : وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : ثِقَةٌ ، وَحَكَى ابْنُ خَلْفُونَ أَنَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ وَثَّقَهُ ، فَإِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى عَمْرٍو حَسَنٌ صَالِحٌ ، وَتَرْجَمَةُ عَمْرٍو قَوِيَّةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ ، فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ الْعِرَاقِيُّ : إِسْنَادُهُ صَالِحٌ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ ، وَعَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ .
ثُمَّ قَالَ النَّيْمَوِيُّ : أَمَّا تَصْحِيحُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَيُعَارِضُهُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَيْسَ فِي تَكْبِيرِ الْعِيدَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَذَهَبَ إِلَيْهِ ، فَقَوْلُهُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَصْحِيحَهُ مُتَأَخِّرٌ مِنْ تَضْعِيفِهِ .
ثُمَّ قَالَ النّيمَوِيُّ : وَأَمَّا تَصْحِيحُ الْبُخَارِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّائِفِيِّ إلخ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ . قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَمَا أَخْرَجَ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ فِي عِلَلِهِ الْكُبْرَى : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : لَيْسَ شَيْءٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحَّ مِنْهُ وَبِهِ أَقُولُ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ أَيْضًا صَحِيحٌ ، وَالطَّائِفِيُّ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ : هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي التَّصْحِيحِ ، فَقَوْلُهُ : هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ يَعْنِي مَا فِي الْبَابِ وَأَقَلَّ ضَعْفًا ، وَقَوْلُهُ : بِهِ أَقُولُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ ، أَيْ : وَأَنَا أَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَشْبَهُ مَا فِي الْبَابِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَحَدِيثُ الطَّائِفِيِّ أَيْضًا صَحِيحٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : هَذَا الِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ جِدًّا ، بَلِ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيِّنُ هُوَ مَا فَهِمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ : وَبِهِ أَقُولُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَقُولُ وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ يَنْقُلُ عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرًا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَبَيَانِ عِلَلِ الْحَدِيثِ ، وَلَا يَقُولُ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِهِ وَبِهِ أَقُولُ الْبَتَّةَ ، وَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنْهُ فَفَتِّشْ وَتَتَبَّعِ الْمَقَامَاتِ الَّتِي نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِيهَا عَنِ الْبُخَارِيِّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ تَجِدْ مَا قُلْتُ لَكَ حَقًّا صَحِيحًا .
فَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَسَنٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَيُؤَيِّدُهُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا التِّرْمِذِيُّ وَاَلَّتِي ذَكَرْنَاهَا .
قَوْلُهُ : ( وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ : تِسْعُ تَكْبِيرَاتٍ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ) أَحَدُهَا تَكْبِيرَةُ التَّحْرِيمَةِ وَالثَّلَاثُ زَوَائِدُ ، وَخَامِسُهَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ ، كَذَا قِيلَ ، وَفِيهِ أَنَّ تَكْبِيرَ الرُّكُوعِ لَيْسَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ( وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يَبْدَأُ بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا مَعَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ ) فَصَارَتْ سِتَّ تَكْبِيرَاتٍ زَوَائِدَ ؛ ثَلَاثًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَثَلَاثًا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ .
وَأَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ قَالَا : كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَالِسًا وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، فَسَأَلَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ عَنِ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : سَلِ الْأَشْعَرِيَّ . فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ : سَلْ عَبْدَ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَقْدَمُنَا وَأَعْلَمُنَا . فَسَأَلَهُ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ فَيَقُومُ فِي الثَّانِيَةِ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ . قَالَ النّيمَوِيُّ فِي آثَارِ السُّنَنِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
قُلْتُ : فِي إِسْنَادِهِ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَهُوَ مُدَلِّسٌ ، وَرَوَاهُ عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ بِالْعَنْعَنَةِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِسْنَادُهُ صَحِيحًا؟ وَرَوَى
عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ تِسْعًا : أَرْبَعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ فَإِذَا فَرَغَ كَبَّرَ أَرْبَعًا ثُمَّ رَكَعَ . قَالَ النّيمَوِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
قُلْتُ : فِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الْمَذْكُورُ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ بِالْعَنْعَنَةِ ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَحْوُ هَذَا ) فَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : شَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَبَّرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ بِالْبَصْرَةِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَوَالَى بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ . قَالَ : وَشَهِدْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، انْتَهَى .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ كُرْدُوسٍ قَالَ : أَرْسَلَ الْوَلِيدُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا عِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟ فَقَالُوا : سَلْ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ . فَسَأَلَهُ فَقَالَ : يَقُومُ فَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا يَرْكَعُ فِي آخِرِهِنَّ ؛ فَتِلْكَ تِسْعٌ فِي الْعِيدَيْنِ . فَمَا أَنْكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ( وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي عَائِشَةَ جَلِيسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى : كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنَائِزِ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : صَدَقَ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : كَذَلِكَ كُنْتُ أُكَبِّرُ فِي الْبَصْرَةِ حَيْثُ كُنْتُ عَلَيْهِمْ . قَالَ أَبُو عَائِشَةَ : وَأَنَا حَاضِرٌ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْمُنْذِرِيُّ .
قُلْتُ : فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ الْعَنْسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الزَّاهِدُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ فَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : صَدُوقٌ يُخْطِئُ وَتَغَيَّرَ بآخره . انْتَهَى .
وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى بِأَنَّهُ خُولِفَ رَاوِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي رَفْعِهِ وَفِي جَوَابِ أَبِي موسى ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ أَسْنَدُوهُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَأَفْتَاهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يُسْنِدْهُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- انْتَهَى . فَلَا يَصْلُحُ هَذَا الْحَدِيثُ لِلِاسْتِدْلَالِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ فِي عِلْمِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا آثَارُ الصَّحَابَةِ فَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا عَرَفْتَ .
فَالْأَوْلَى لِلْعَمَلِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ ؛ لِوَجْهَيْنِ :
الْأَوَّلُ : أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ عَدِيدَةٌ وَبَعْضُهَا صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ وَالْبَاقِيَةُ مُؤَيِّدَةٌ لَهَا ، وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ غَيْرَ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا- ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ الْحَازِمِيِّ أَنَّ أَحَدَ الْحَدِيثَيْنِ إِذَا كَانَ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ دُونَ الثَّانِي فَيَكُونُ آكَدَ وَأَقْرَبَ إِلَى الصِّحَّةِ وَأَصْوَبَ بِالْأَخْذِ . هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
تَنْبِيهٌ :
قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي مُوَطَّئِهِ بَعْدَ ذِكْرِ أَثَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مَا لَفْظُهُ : قَالَ مُحَمَّدٌ : قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ فَمَا أَخَذْتَ بِهِ فَهُوَ حَسَنٌ ، وَأَفْضَلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ عِيدٍ تِسْعًا ؛ خَمْسًا وَأَرْبَعًا فِيهِنَّ تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَتَا الرُّكُوعِ وَيُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَيُؤَخِّرُهَا فِي الْأُولَى وَيُقَدِّمُهَا فِي الثَّانِيَةِ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . انْتَهَى كَلَامُهُ .
قُلْتُ : بَلْ أَفْضَلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا آنِفًا ، وَلَا وَجْهَ لِأَفْضَلِيَّةِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .