بَاب مَا جَاءَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
553 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ؛ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ سَارَ ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ .
وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَجَابِر .
قَالَ أَبُو عِيسَى : وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ قُتَيْبَةَ هَذَا الْحَدِيثَ ، ، ، ، ، ، . وَحَدِيثُ مُعَاذٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ قُتَيْبَةُ لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ اللَّيْثِ غَيْرَهُ . وَحَدِيثُ اللَّيْثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ مُعَاذٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدِيثُ مُعَاذٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ رَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، يَقُولَانِ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا .
بَاب مَا جَاءَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ؛ أي : في السفر
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ) اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ ، وَرُبَّمَا سُمِّيَ عَمْرًا ، وُلِدَ عَامَ أُحُدٍ وَرَأَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَّنْ بَعْدَهُ وَعُمَرَ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، قَالَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ .
قَوْلُهُ : ( كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ) ، غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّامِ ( قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ ) أَيْ قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّ زَيْغَ الشَّمْسِ هُوَ مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ ، ( عَجَّلَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ) ، فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِيهِ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ،
وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَجَابِرٍ ) ،
أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ بِسَنَدٍ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ . وَفِيهِ أَيْضًا الْمُنْذِرُ الْكَابُوسِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ ،
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ نَزَلَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، فَإِن زَاغَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : قَوْلُهُ : صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ ، كَذَا فِيهِ الظُّهْرُ فَقَطْ ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ عُقَيْلٍ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْمَعُ بَيْن الصَّلَاتَيْنِ إِلَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا . وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ أَبَى جَمْعَ التَّقْدِيمِ ، لَكِنْ رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَبَابَةَ فَقَالَ : كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ . أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ .
وَأُعِلَّ بِتَفَرُّدِ إِسْحَاقَ بِذَلِكَ عَنْ شَبَابَةَ ثُمَّ تَفَرَّدَ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ بِهِ عَنْ إِسْحَاقَ .
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ فَإِنَّهُمَا إِمَامَانِ حَافِظَانِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا : وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْأَرْبَعِينَ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ . وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ : كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ ، انْتَهَى .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَحَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عُقَيلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ . وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، قَالَه النَّوَوِيُّ : وَفِي ذِهْنِي أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَنْكَرَهُ عَلَى إِسْحَاقَ وَلَكِنْ لَهُ مُتَابِعٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْأَرْبَعِينَ لَهُ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيِّ ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ عُقَيلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ .
وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا السِّيَاقِ وَلَيْسَ فِيهِمَا " وَالْعَصْرَ " وَهِيَ زِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ الْمُنْذِرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْعَلَائِيُّ وَتَعَجَّبَ مِنَ الْحَاكِمِ كَوْنَهُ لَمْ يُورِدْهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى رَوَاهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ثُمَّ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ بِسَنَدِهَا وَمَتْنِهَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَيُقَدِّمُ الْعَصْرَ ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَيُقَدِّمُ الْعِشَاءَ ،
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ بِلَفْظِ : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ فِي السَّفَرِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ فِي مَنْزِلِهِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ ، فَإِذَا لَمْ تَزِغْ فِي مَنْزِلِهِ سَارَ حَتَّى إِذَا حَانَتِ الْعَصْرُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَإِذَا حَانَتْ لَهُ الْمَغْرِبُ فِي مَنْزِلِهِ جَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ ، وَإِذَا لَمْ تَحِنْ فِي مَنْزِلِهِ رَكِبَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْعِشَاءُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فِي إِسْنَادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا مَرْفُوعًا : أَنَّهُ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا فِي السَّفَرِ فَأَعْجَبَهُ أَقَامَ فِيهِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ فَإِذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ الْمَنْزِلُ مَدَّ فِي السَّيْرِ فَسَارَ ، حَتَّى يَنْزِلَ فَيَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي رَفْعِهِ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَجْزُومًا بِوَقْفِهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ : إِذَا كُنْتُمْ سَائِرِينَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَفِيهِ بَيَانُ الْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ وَهُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَفِيهِ : ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا .
قَوْلُهُ : ( وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هَذَا الْحَدِيثُ ) ، أَيْ حَدِيثُ مُعَاذٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ .
قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ مُعَاذٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ قُتَيْبَةُ إلخ ) . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ : هَذَا وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَلَيْسَ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ حَدِيثٌ قَائِمٌ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ : لَمْ يُحَدِّثْ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا قُتَيْبَةُ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ غَلَطَ فِيهِ فَغَيَّرَ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ ، وَأَنَّ مَوْضِعَ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ أَبُو الزُّبَيْرِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ : لَا أَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ دَخَلَ لَهُ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ .
وَأَطْنَبَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ فِي بَيَانِ عِلَّةِ هَذَا الْخَبَرِ فَيُرَاجَعُ مِنْهُ .
قَالَ : وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، وَهِشَامٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، كَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَقُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ وَغَيْرِهِمْ ، فَلَمْ يَذْكُرُوا فِي رِوَايَتِهِمْ جَمْعَ التَّقْدِيمِ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ بِإِطْلَاقِ جَوَازِ الْجَمْعِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَأَشْهَبُ ، انْتَهَى . يَعْنِي قَالُوا بِجَوَازِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ كَانَ سَائِرًا أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَيْرًا مُجِدًّا أَمْ لَا .
قَالَ الْحَافِظُ : وَقَالَ قَوْمٌ : لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ مُطْلَقًا إِلَّا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ . وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ ، انْتَهَى .
وَقِيلَ : يَخْتَصُّ الْجَمْعُ بِمَنْ يَجِدُّ فِي السَّيْرِ . قَالَهُ اللَّيْثُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ . وَقِيلَ : يَخْتَصُّ بِالْمُسَافِرِ دُونَ النَّازِلِ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ . وَقِيلَ : يَخْتَصُّ بِمَنْ لَهُ عُذْرٌ . حُكِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ . وَقِيلَ : يَجُوزُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ دُونَ التَّقْدِيمِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ ، انْتَهَى .
( يَقُولَانِ : لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا ) ، كَذَا فِي النُّسَخِ يَقُولَانِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ : يَقُولُونَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ . وَالْمَعْنَى يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ بجواز الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِجَمْعَيِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، وَهُوَ الْحَقُّ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَلْفَاظَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي هَذَا الْبَابِ ، وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي تَقَدَّمَ لَفْظُهُ .
وَأَجَابَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ .
وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْجَمْعِ بَعْضُهَا نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ ، وَفِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ ، لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا . قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ : حَمَلَ أَصْحَابُنَا يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْجَمْعِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ . وَقَدْ بَسَطَ الطَّحَاوِيُّ الْكَلَامَ فِيهِ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ ، لَكِنْ لَا أَدْرِي مَاذَا يَفْعَلُ بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ صَرِيحا بِأَنَّ الْجَمْعَ كَانَ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ ، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ على مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ فِيهَا ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَحْصُلِ التَّمَيُّزُ لَهُمْ ، فَظَنُّوا قُرْبَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، فَهَذَا أَمْرٌ بَعِيدٌ عَنِ الصَّحَابَةِ النَّاهِينَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنِ اخْتِيرَ تَرْكُ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ بِإِبْدَاءِ الْخَلَلِ فِي الْإِسْنَادِ فَهُوَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ مَعَ إِخْرَاجِ الْأَئِمَّةِ لَهَا وَشَهَادَتِهِمْ بِتَصْحِيحِهَا ، وَإِنْ عُورِضَ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَرَّحَتْ بِأَنَّ الْجَمْعَ كَانَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَالتَّقْدِيمِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، فَهُوَ أَعْجَبُ ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهَا بِحَمْلِهَا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مُمْكِنٌ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ ، انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ .
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : ثَبَتَ فِي الْجَمْعِ أَحَادِيثُ نُصُوصٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا تَأْوِيلٌ ، وَدَلِيلُهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الِاسْتِنْبَاطُ مِنَ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، فَإِنَّ سَبَبَهُ احْتِيَاجُ الْحَاجِّ إِلَيْهِ ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَنَاسِكِهِمْ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ وَلَمْ تَتَقَيَّدِ الرُّخَصُ ، كَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ بِالنُّسُكِ إِلَى أَنْ قَالَ : وَلَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ أَنَّ الْجَمْعَ أَرْفَقُ مِنَ الْقَصْرِ ، فَإِنَّ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ يَضُمُّهُمَا إِلَى رَكْعَتَيْهِ ، وَرِفْقُ الْجَمْعِ وَاضِحٌ لِمَشَقَّةِ النُّزُولِ عَلَى الْمُسَافِرِ . انْتَهَى ، كَذَا نَقَلَ كَلَامَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ .
وَتَعَقَّبَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى مِنْ حَمْلِ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ بِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ ، فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَعْظَمَ ضِيقًا مِنَ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ أَوَائِلَ الْأَوْقَاتِ وَأَوَاخِرَهَا مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ أَكْثَرُ الْخَاصَّةِ ، فَضْلًا عَنِ الْعَامَّةِ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .