بَاب مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
بَاب مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
556 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهما ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، وَاسْتَسْقَى ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ .
وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَآبِي اللَّحْمِ .
قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَاسم عم عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمِ ) بْنِ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ لَهُ رُؤْيَةً ( عَنْ عَمِّهِ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : اسْمُ عَمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَهُوَ أَخُو أَبِيهِ لِأُمِّهِ ، انْتَهَى .
تَنْبِيهٌ :
اعْلَمْ أَنَّ عَمَّهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ مَازِنٍ الْأَنْصَارِيُّ ، لَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ الَّذِي رَأَى الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ . وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ ، وَمَنْ ظَنَّهُمَا وَاحِدًا فَقَدْ غَلِطَ وَأَخْطَأَ .
قَوْلُهُ : ( خَرَجَ بِالنَّاسِ ) ، أَيْ إِلَى الْمُصَلَّى كَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ( يَسْتَسْقِي ) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ ( فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ . وَبه قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَمَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، قَالَ مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ : أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فَكَانَ لَا يَرَى فِي الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةً ، وَأَمَّا فِي قَوْلِنَا ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَدْعُو وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَوْلُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّوَابُ وَالْحَقُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ صَلَاتُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَكْعَتَيْنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ .
مِنْهَا : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ ، وَمِنْهَا : حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ :
غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا لَفْظُهُ : وَبِهِ ظَهَرَ ضَعْفُ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي تَعْلِيلِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَسْقَى وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ ، انْتَهَى . فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ بِالْكُلِّيَّةِ فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تُكَذِّبُهُ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَغَيْرُ قَادِحٍ ، انْتَهَى .
وَقَدْ رَدَّ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ الْمَذْكُورِ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ؛ حَيْثُ قَالَ : أَمَّا اسْتِسْقَاؤُهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَصَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، بَلْ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَلَمْ يُصَلِّ ، بَلْ غَايَةُ مَا يُوجَدُ ذِكْرُ الِاسْتِسْقَاءِ دُونَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِ الشَّيْءِ عَدَمُ وُقُوعِهِ ، انْتَهَى .
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ ، فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا جَازَ ، إِنَّمَا الِاسْتِسْقَاءُ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ الِاسْتِسْقَاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ : وَأُجِيبُ عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الصَّلَاةُ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعَلَهَا مَرَّةً وَتَرَكَهَا أُخْرَى ، وَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى السُّنِّيَّةِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ، انْتَهَى . وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ .
وَرَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ ؛ حَيْثُ قَالَ : وَأَمَّا مَا ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعَلَهُ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى فَلَمْ يَكُنْ سُنَّةً فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُنْكَرُ ثُبُوتُ كِلَيْهِمَا مَرَّةٌ هَذَا وَمَرَّةٌ هَذَا ، لَكِنْ يُعْلَمُ مِنْ تَتَبُّعِ الطُّرُقِ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الصَّحْرَاءِ صَلَّى فَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَسْنُونَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِلَا رَيْبٍ ، وَدُعَاؤُهُ الْمُجَرَّدُ كَانَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْوِقَايَةِ : وَلَعَلَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَمْ تَبْلُغِ الْإِمَامَ وَإِلَّا لَمْ يُنْكِرِ اسْتِنَانُ الْجَمَاعَةِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : هَذَا هُوَ الظَّنُّ بِهِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
فَإِنْ قُلْتَ : اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾قَالَ : عَلَّقَ نُزُولَ الْغَيْثِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَا بِالصَّلَاةِ ، فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ هُوَ الِاسْتِغْفَارُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى هَذَا يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ .
قُلْتُ : قَوْلُهُ تَعَالَى هَذَا لَا يُنَافِي سُنِّيَّةَ الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى مَعَ النَّاسِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، فَاسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَلِذَلِكَ خَالَفَهُ أَصْحَابُهُ ؛ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ ( جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ ابْنُ بَطَّالٍ ( وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ) كَيْفِيَّةُ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى الطَّرَفَ الْأَسْفَلَ مِنْ جَانِبِ يَسَارِهِ وَبِيَدِهِ الْيُسْرَى الطَّرَفَ الْأَسْفَلَ أَيْضًا مِنْ جَانِبِ يَمِينِهِ وَيُقَلِّبَ يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الطَّرَفُ الْمَقْبُوضُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كَتِفِهِ الْأَعْلَى مِنْ جَانِبِ الْيَمِينِ وَالطَّرَفُ الْمَقْبُوضُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى كَتِفِهِ الْأَعْلَى مِنْ جَانِبِ الْيَسَارِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ انْقَلَبَ الْيَمِينُ يَسَارًا وَالْيَسَارُ يَمِينًا وَالْأَعْلَى أَسْفَلَ وَبِالْعَكْسِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ فِي زِيَادَةِ سُفْيَانَ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَلَفْظُهُ : قَلَبَ رِدَاءَهُ جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ ، وَزَادَ فِيهِ ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : وَالشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَلَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادٍ بِلَفْظِ : فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَعِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيِّةَ ، عَنْ عَبَّادٍ : اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا ، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ . وَقَدِ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ فِعْلَ مَا هَمَّ بِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ تَنْكِيسِ الرِّدَاءِ مَعَ التَّحْوِيلِ الْمَوْصُوفِ ، وَزَعَمَ الْقُرْطُبِيُّ كَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَارَ فِي الْجَدِيدِ تَنْكِيسَ الرِّدَاءِ لَا تَحْوِيلَهُ ، وَاَلَّذِي فِي الْأُمِّ مَا ذَكَرْتُهُ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّحْوِيلِ فَقَطْ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الَّذِي اسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ أَحْوَطُ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ لَا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
فَائِدَةٌ : فِي بَيَانِ مَحَلِّ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ . فَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ حِينَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ لِلدُّعَاءِ ، فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ، وَفِي أُخْرَى لَهُ فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا ، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ : عُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّحْوِيلَ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّعَاءِ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : مَحَلُّ هَذَا التَّحْوِيلِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَوْعِظَةِ وَإِرَادَةِ الدُّعَاءِ ، انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يُحَوِّلُهُ فِي نَحْوِ ثُلُثِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَذَلِكَ حِينَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، انْتَهَى .
فَائِدَةٌ أخرى : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : اسْتَحَبَّ الْجُمْهُورُ أَنْ يُحَوِّلَ النَّاسُ بِتَحْوِيلِ الْإِمَامِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبَّادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ : وَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ . وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَبُو يُوسُفَ : يُحَوِّلُ الْإِمَامُ وَحْدَهُ فَاسْتَثْنَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ النِّسَاءَ فَقَالَ : لَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِنَّ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : فَالْقَوْلُ الظَّاهِرُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ .
فَائِدَةٌ أُخْرَى :
اخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ هَذَا التَّحْوِيلِ ، فَجَزَمَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّهُ لِلتَّفَاؤُلِ بِتَحْوِيلِ الْحَالِ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ .
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفَأْلِ أَنْ لَا يُقْصَدَ إِلَيْهِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا التَّحْوِيلُ أَمَارَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، قِيلَ لَهُ : حَوِّلْ رِدَاءَكَ لِيَتَحَوَّلَ حَالُكَ .
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي جَزَمَ بِهِ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ ، وَاَلَّذِي رَدَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِالظَّنِّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا حَوَّلَ رِدَاءَهُ ؛ لِيَكُونَ أَثْبَتَ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ فَلَا يَكُونُ سُنَّةً فِي كُلِّ حَالٍ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّحْوِيلَ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ لَا يَقْتَضِي الثُّبُوتَ عَلَى الْعَاتِقِ ، فَالْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى فَإِنَّ الِاتِّبَاعَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ لِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ . كَذَا فِي الْفَتْحِ . وَفِي الدِّرَايَةِ وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : وَتحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : وَقَلَبَ رِدَاءَهُ لِأَنْ يَنْقَلِبَ الْقَحْطُ إِلَى الْخِصْبِ ، انْتَهَى . فَالْقَوْلُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي حِكْمَةِ التَّحْوِيلِ هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُهَلَّبُ .
قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ حَدِيثِهِمَا ( وَأَنَسٍ ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ ( وَآبِي اللَّحْمِ ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ) أَيْ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ( وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ) وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ الْحَقُّ .