بَاب مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
بَاب مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
576 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا .
قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حِينَ قَرَأَ فَلَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالُوا : السَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا ولَمْ يُرَخِّصُوا فِي تَرْكِهَا ، وَقَالُوا : إِنْ سَمِعَ الرَّجُلُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ سَجَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا وَالْتَمَسَ فَضْلَهَا ، وَرَخَّصُوا فِي تَرْكِهَا قالوا : إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فَقَالُوا : لَوْ كَانَتْ السَّجْدَةُ وَاجِبَةً لَمْ يَتْرُكْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا حَتَّى كَانَ يَسْجُدَ وَيَسْجُدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةَ ، فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَلَمْ يَسْجُدُوا ، وذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ
بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ
أَيْ فِي النَّجْمِ .
قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ ، ثِقَةٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ) بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّر وَآخِرُهُ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ .
قَوْلُهُ : ( قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا ) احْتَجَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُفَصَّلَ لَيْسَ فِيهِ سَجْدَةٌ ، كَالْمَالِكِيَّةِ ، أَوْ أَنَّ النَّجْمَ بِخُصُوصِهَا لَا سُجُودَ فِيهَا ، كَأَبِي ثَوْرٍ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : تَرْكُ السُّجُودِ فِيهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي التَّرْكِ إِذْ ذَاكَ إِمَّا لِكَوْنِهِ كَانَ بِلَا وُضُوءٍ ، أَوْ لِكَوْنِ الْوَقْتِ كَانَ وَقْتَ كَرَاهَةٍ ، أَوْ لِكَوْنِ الْقَارِئِ كَانَ لَمْ يَسْجُدْ ، أَوْ تَرَكَ حِينَئِذٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَهَذَا أَرْجَحُ الِاحْتِمَالَاتِ وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ وَلَوْ بَعْدَ ذَلِكَ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
قَوْلُهُ : ( وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ ، فقَالَ : إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- السُّجُودَ ؛ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حِينَ قَرَأَ فَلَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَعْنِي أَنَّ الْقَارِئَ إِمَامٌ لِلسَّامِعِ ، فَلَمَّا لَمْ يَسْجُدْ زَيْدٌ لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اتِّبَاعًا لِزَيْدٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْقَارِئِ إِمَامًا لِلسَّامِعِ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ وَهُوَ غُلَامٌ فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَقَالَ : اسْجُدْ فَإِنَّكَ إِمَامُنَا فِيهَا ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ مُغِيرَةَ عَنْ
إِبْرَاهِيمَ قَالَ : قَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ : قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَا غُلَامٌ فَمَرَرْتُ بِسَجْدَةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أَنْتَ إِمَامُنَا فِيهَا . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ غُلَامًا قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- السَّجْدَةَ فَانْتَظَرَ الْغُلَامُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَسْجُدَ ، فَلَمَّا لَمْ يَسْجُدْ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ سُجُودٌ؟ قَالَ : بَلَى وَلَكِنَّكَ كُنْتَ إِمَامَنَا فِيهَا وَلَوْ سَجَدْتَ لَسَجَدْنَا . رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : بَلَغَنِي ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، وَحَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ مَعًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
( وَقَالُوا : السَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا . وَلَمْ يُرَخِّصُوا فِي تَرْكِهَا ، وَقَالُوا : إِنْ سَمِعَ الرَّجُلُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ سَجَدَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ ) ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي : اسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا ، السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ تَلَاهَا " ، ثُمَّ قَالَ : كَلِمَةُ عَلَى لِلْإِيجَابِ ، وَالْحَدِيثُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْقَصْدِ .
قَالَ الْعَيْنِيُّ : هَذَا غَرِيبٌ لَمْ يَثْبُتْ وَإِنَّمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ : السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا . وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ عُثْمَانُ : إِنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ . قَالَ : وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِالْآيَاتِ ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ﴾، ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ وَقَالُوا : الذَّمُّ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ ، وَالْأَمْرُ فِي الْآيَتَيْنِ لِلْوُجُوبِ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
قُلْتُ : قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- : السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ : إِنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ ، لَوْ سُلِّمَ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَهُوَ قَوْلُهُمَا وَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ ، وَقَوْلُهُمَا هَذَا مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- أَجْمَعِينَ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ﴾فَمَعْنَاهُ لَا يَسْجُدُونَ إِبَاءً وَإِنْكَارًا ، كَمَا قَالَ الشَّيْطَانُ : أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ ، فَالذَّمُّ مُتَعَلِّقٌ بِتَرْكِ السُّجُودِ إِبَاءً وَإِنْكَارًا . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : فَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهُ ذَمَّهُمْ لِتَرْكِ السُّجُودِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ فَضْلَهُ وَلَا مَشْرُوعِيَّتَهُ انْتَهَى .
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾وَقَوْلِهِ : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ فَمَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِمَا لِلْوُجُوبِ وَعَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسُّجُودِ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وَهُمَا مَمْنُوعَانِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : بَابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَيْ : وَحَمَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ : اسْجُدُوا عَلَى النَّدْبِ ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سُجُودُ الصَّلَاةِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَفِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ عَلَى النَّدْبِ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ .
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ مِنْهَا مَا هُوَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الَّتِي بِصِيغَةِ الْأَمْرِ هَلْ هِيَ فِيهَا سُجُودٌ أَوْ لَا؟ وَهِيَ ثَانِيَةُ الْحَجِّ وَخَاتِمَةُ النَّجْمِ وَ اقْرَأْ ، فَلَوْ كَانَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَاجِبًا لَكَانَ مَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَوْلَى أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى السُّجُودِ فِيهِ مِمَّا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ ، انْتَهَى .
( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا وَالْتَمَسَ فَضْلَهَا ، وَرَخَّصُوا فِي تَرْكِهَا قَالُوا : إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ ) ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَدَاوُدَ ، قَالُوا : إِنَّهَا سُنَّةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَسَلْمَانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ . كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِي ( وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ ، فَقَالُوا : لَوْ كَانَتِ السَّجْدَةُ وَاجِبَةً لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زَيْدًا حَتَّى كَانَ يَسْجُدُ وَيَسْجُدُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، أَجَابَ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّجْمِ سَجْدَةٌ وَلَا فِيهِ نَفْيُ الْوُجُوبِ ، انْتَهَى .
وَقَدْ عَرَفْتَ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ أَنَّ فِي تَرْكِ السُّجُودِ فِيهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ احْتِمَالَاتٍ ، وَأَرْجَحُ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّهُ تَرَكَ حِينَئِذٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ( وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ . فَلَمْ يَسْجُدْ وَلَمْ يَسْجُدُوا ) ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ : قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةُ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّجْدَةُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ . وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ، وَزَادَ نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ ، انْتَهَى .
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : لَمْ يَفْرِضْ . عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِأَنَّ نَفْيَ الْفَرْضِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْوُجُوبِ .
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ لَهُمْ حَادِثٌ وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا ، وَيُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ : وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : إِلَّا أَنْ نَشَاءَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ : مُخَيَّرٌ فِي السُّجُودِ فَيَكُونُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ .
وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى : إِلَّا أَنْ نَشَاءَ قِرَاءَتَهَا فَيَجِبُ ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، بِأَنَّ انْتِفاءَ الْإِثْمِ عَمَّنْ تَرَكَ الْفِعْلَ مُخْتَارًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ . كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .
تَنْبِيهٌ :
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : وَاحْتَجُّوا ؛ ( أَيِ : الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ ) بِحَدِيثِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ . وَهَذَا يَنْفِي الْوُجُوبَ . قَالُوا : قَالَ عُمَرُ هَذَا الْقَوْلَ وَالصَّحَابَةُ حَاضِرُونَ ، وَالْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . وَأَجَابَ هُوَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَمَوْقُوفٌ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمُ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : الْعَجَبُ مِنَ الْعَيْنِيِّ أَنَّهُ لَمَّا يُجِبْ عَنِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ بَلْ سَكَتَ عَنْهُ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ الْحَنَفِيَّةِ ، قَالَ هُوَ فِي رَدِّ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ مَا لَفْظُهُ : حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ خَبَرُ آحَادٍ وَرَدَ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ؛ فَيُرَدُّ . بَيَانُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ أَفْتَيَا فِي زِنْجِيٍّ وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ بِنَزْحِ الْمَاءِ كُلِّهِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ ، وَكَانَ الْمَاءُ مِنْ قُلَّتَيْنِ . وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ يُرَدُّ . انْتَهَى كَلَامُهُ .
فَلِلْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَنْ يَقُولُوا : نَحْنُ لَا نَحْتَجُّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَلْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فَإِنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ هَذَا الْقَوْلَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ولم ينكر وَلَمْ يُنْكِرْ
عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ . وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا الِاحْتِجَاجَ احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ ، لَيْسَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَوَابٌ شَافٍ عَنْ هَذَا الِاحْتِجَاجِ . وَقَدْ أَنْصَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَعْلِيقَاتِهِ عَلَى جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ حَيْثُ قَالَ : قَوْلُهُ : وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ إلخ . لَيْسَ هَذَا مَرْفُوعًا ، بَلْ أَثَرُ عُمَرَ وَهَذَا تَمَسُّكُ الْحِجَازِيِّينَ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ مِنْ جَانِبِ الْأَحْنَافِ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَمَذْهَبُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَلَا يُفِيدُ ، فَإِنَّهُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَيُمْكِنُ لِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلُ : إِنَّهُ إِجْمَاعُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ ، فَمَا أَجَابَ أَحَدٌ جَوَابًا شَافِيًا انْتَهَى . ثُمَّ قَالَ هَذَا الْبَعْضُ رَادًّا عَلَى الْعَيْنِيِّ مَا لَفْظُهُ : وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : بِحَذْفِ الْمُسْتَثْنَى الْمُتَّصِلِ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى : أَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ مَكْتُوبِيَّتَهَا . وَقَالَ أَيْضًا : إِنَّ الْمَشِيئَةَ تَتَعَلَّقُ بِالتِّلَاوَةِ لَا بِالسَّجْدَةِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ : إِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالسَّجْدَةِ . أَقُولُ : تَأْوِيلُ الْعَيْنِيِّ فِيهِ أَنَّا إِذَا قُلْنَا : إِنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْوُجُوبُ ، وَالْمُسْتَثْنَى هُوَ التَّطَوُّعُ ، يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ أَيْضًا مُتَّصِلًا ، وَلَيْسَ حَدُّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ عَلَى الْأَلْسِنَةِ ، بَلْ تَفْصِيلُهُ مَذْكُورٌ فِي قَطْرِ النَّدَى وَشَرْحِ الشَّيْخِ السَّيِّدِ مَحْمُودٍ الْأُلُوسِيِّ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْأَنْدَلُسِيَّةِ ، وَأَيْضًا يُخَالِفُ قَوْلَ الْعَيْنِيِّ لَفْظُ الْبَابِ فَلَمْ يَسْجُدْ وَلَمْ يَسْجُدُوا إلخ . فَإِنَّهُ تَحَقَّقَ التِّلَاوَةُ فِي وَاقِعَةِ الْبَابِ .
وَأَمَّا قَوْلُ : إِنَّهُ تَأْخِيرُ السَّجْدَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ لَا يَجِبُ فِي الْفَوْرِ فَبَعِيدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ وَلَا نُكْتَةَ لِتَرْكِ السَّجْدَةِ الْآنَ ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنْ وَاقِعَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ أَرَ جَوَابًا شَافِيًا . انْتَهَى كَلَامُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَعْلِيقِهِ الْمُسَمَّى بِالْعَرْفِ الشَّذِيِّ .
قُلْتُ : قَوْلُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ كَمَا عَرَفْتَ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْعَيْنِيِّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ : مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِ السَّمَاعِ فَبَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ .