بَاب مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي ص
بَاب مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي ص
577 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي ص . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ في هذا ، فرأى بعض أهل العلم أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَمْ يَرَوْا السُّجُودَ فِيهَا .
باب ما جاء في السجدة في ص .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَيُّوبَ ) هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ .
قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْجُدُ فِي ص ) ، هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى ثُبُوتِ السَّجْدَةِ فِي ( ص ) ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ) ، الْمُرَادُ بِالْعَزَائِمِ مَا وَرَدَتِ الْعَزِيمَةُ عَلَى فِعْلِهِ ، كَصِيغَةِ الْأَمْرِ مَثَلًا ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْوُجُوبِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ الْعَزَائِمَ " حم " ، و " النَّجْمِ " ، وَ " اقْرَأْ " ، وَ " الم تَنْزِيلُ " ، وَكَذَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ ، وَقِيلَ : " الْأَعْرَافُ " ، وَ " سُبْحَانَ " ، وَ " حم " ، وَ " الم " . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .
قَوْلُهُ : ( فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَقَدْ عَدَّ التِّرْمِذِيُّ ، الشَّافِعِيَّ مِنَ الْقَائِلِينَ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي ص ، وَقَوْلُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، قَالَ : السَّجْدَةُ فِيهَا لَيْسَتْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ ، بَلْ سَجْدَةَ شُكْرٍ وَسُجُودُ الشَّاكِرِ لَا يُشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ .
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ ص فِيهَا سَجْدَةٌ تُفْعَلُ ، وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ سُفْيَانَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، غَيْرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِهَا مِنَ الْعَزَائِمِ أَمْ لَا ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ مِنَ الْعَزَائِمِ ، وَإِنَّمَا هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَتَحْرُمُ فِيهَا في الصَّحِيحُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَهُ ، وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ هِيَ مِنَ الْعَزَائِمِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا . وَعَنْ أَحْمَدَ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَمْ يروا السُّجُودُ فِيهَا ) . قَالَ الْعَيْنِيُّ : قَالَ دَاوُدُ : عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَا سُجُودَ فِيهَا ، وَقَالَ : هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَلْقَمَةَ . قَالَ : وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ مَعَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ ، وَلِابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ آخَرُ فِي سُجُودِهِ فِي ص أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَجَدَ فِي ص فَقَالَ : سَجَدَهَا دَاوُدُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا .
وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا فِي الْكُبْرَى فِي التَّفْسِيرِ وَلَفْظُهُ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْجُدُ فِي " ص " أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قَالَ الْعَيْنِيُّ : هَذَا كُلُّهُ حُجَّةٌ لَنَا ، وَالْعَمَلُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَوْنُهَا تَوْبَةً لَا يُنَافِي كَوْنَهَا عَزِيمَةً ، وَسَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا لِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِالْغُفْرَانِ وَالْوَعْدِ بِالزُّلْفَى وَحُسْنِ مَآبٍ ، وَلِهَذَا لَا يُسْجَدُ عِنْدَنَا عَقِيبَ قَوْلِهِ : وَأَنَابَ بَلْ عَقِيبَ قَوْلِهِ : وَحُسْنَ مَآبٍ وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ فِي حَقِّنَا ، فَكَانَتْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ ؛ لِأَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ مَا كَانَ سَبَبُ وُجُوبِهَا إِلَّا التِّلَاوَةَ ، وَسَبَبُ وُجُوبِ هَذِهِ السَّجْدَةِ تِلَاوَةُ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا الْإِخْبَارُ عَنْ هَذِهِ النِّعَمِ عَلَى دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَإِطْمَاعُنَا فِي نَيْلِ مِثْلِهِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ .
قُلْتُ : لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبَيْنَ الْعَمَلِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ، فَالْأَوْلَى بَلِ الْمُتَعَيَّنُ أَنْ يُسْجَدَ فِي " ص " اتِّبَاعًا لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَ الصَّلَاةِ ، وَيُرَى أَنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهَا مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ . هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ " ص " فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَجَدَ فِي " ص " وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا .