بَاب مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ
580 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ : سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ ) حِكَايَةٌ لِلْوَاقِعِ لَا لِلتَّقْيِيدِ بِهِ ( سَجَدَ وَجْهِي ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا ( لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ ؛ أَيْ : فَتَحَهُمَا وَأَعْطَاهُمَا الْإِدْرَاكَ ، وَأَثْبَتَ لَهُمَا الْإِمْدَادَ بَعْدَ الْإِيجَادِ . قَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : وَيَقُولُ فِي السَّجْدَةِ مَا يَقُولُ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ : سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ؛ لِأَنَّهُ -تَعَالَى- أَخْبَرَ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَقَالَ : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ ، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا
قَالَ الْقَارِي : وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَا صُحِّحَ عَلَى عُمُومِهِ ، فَإِنْ كَانَتِ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ ، فَيَقُولُ فِيهَا مَا يُقَالُ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً قَالَ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ، أَوْ نَفْلًا قَالَ مَا شَاءَ مِمَّا وَرَدَ ؛ كَسَجَدَ وَجْهِي ، وَكَقَوْلِ : اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي إلخ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ قَالَ كُلَّ مَا أُثِرَ مِنْ ذَلِكَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِي .
قُلْتُ : إِنْ كَانَتِ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يَقُولُ فِيهَا أَيْضًا مَا شَاءَ مِمَّا وَرَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ؛ كَسَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ إلخ ، لَا مَانِعَ مِنْ قَوْلِ ذَلِكَ فِيهَا . هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : " ثَلَاثًا " ، زَادَ الْحَاكِمُ فِي آخِرِهِ : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ : وَصَوَّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ خَلَقَهُ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِثْلُهُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَذَلِكَ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَالنَّيْلِ .
فَائِدَةٌ :
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : يُشْتَرَطُ لِلسُّجُودِ مَا يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ مِنَ الطَّهَارَتَيْنِ مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالنِّيَّةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي الْحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ تُوْمِئُ بِرَأْسِهَا ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ : وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ . وَعَنِ الشَّعْبِيِّ فِيمَنْ سَمِعَ السَّجْدَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ : يَسْجُدُ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ . وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ السُّجُودُ ، وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ كَذَاتِ الرُّكُوعِ . انْتَهَى .
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَأَدِلَّةُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَرَدَتْ لِلصَّلَاةِ ، وَالسَّجْدَةُ لَا تُسَمَّى صَلَاةً ، فَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ مَا مُلَخَّصُهُ : لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ السَّاجِدُ مُتَوَضِّئًا ، وَهَكَذَا لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ طَهَارَةِ الثِّيَابِ وَالْمَكَانِ . وَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ مَعَ الْإِمْكَانِ فَقِيلَ : إِنَّهُ مُعْتَبَرٌ اتِّفَاقًا ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : لَمْ يُوَافِقِ ابْنَ عُمَرَ أَحَدٌ عَلَى جَوَازِ السُّجُودِ بِلَا وَضُوءٍ إِلَّا الشَّعْبِيُّ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنُ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وَضُوءٍ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، وَهُوَ يَمْشِي يُومِئُ إِيمَاءً . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ .
قُلْتُ : الِاحْتِيَاطُ لِلْعَمَلِ فِيمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي ، وَعَلَيْهِ عَمَلُنَا . هَذَا مَا عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .